قد يعصى على المتابع للتطورات في اليمن، منذ آب الماضي تحديداً، فهم ما الذي يريده الحوثيون. وقد يتفاقم سوء فهمه إذا ما استسلم لتغطية وسائل الإعلام السعودية والقطرية لتقدّم الحوثيين في المدن والمحافظات اليمنية.


منذ بدء الحراك الحوثي الذي سدّد الضربة القاصمة إلى النفوذ القطري في اليمن، وأدى إلى اهتزاز الوصاية السعودية ـ الأميركية عليه، تعمّد إعلام قطر والسعودية التهويل إزاء تمدّد الحوثيين على طول الجهة الشمالية الغربية. على سبيل المثال، أراد الإعلام الخليجي، أن يقنعنا في الأسابيع الماضية، بأن هناك مؤامرة كبيرة تحاك خيوطها في اليمن، قوامها جماعة «أنصار الله» والرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، بدعمٍ من إيران... وأميركا!
واستندت تلك الوسائل الإعلامية، في تلك الخلاصة، إلى تنفيذ الولايات المتحدة لضربات بطائرات من دون طيار، على تنظيم «القاعدة» بالتزامن مع اشتعال المعارك بينه وبين الحوثيين في وسط البلاد، من دون أن تأتي على ذكر «الدعم الأميركي للحوثيين» في الوقت الذي فرضت فيه واشنطن، أمس، عقوبات على كلٍّ من صالح وزعيم «أنصار الله» عبد الملك الحوثي والقيادي في الجماعة عبد الله يحيى الحكيم، «لعرقلة عملية الانتقال الديموقراطي في اليمن». وفي اليومين الماضيين، ازدادت حدّة التهويل، وتحدّثت بعض الصحف عن «انقلاب وشيك» بين اليوم وغداً، سيقوده الحوثيون وصالح على الرئاسة وعلى حكومة خالد بحاح المشكّلة حديثاً. كذلك كثر الحديث عن إعلان تحالفٍ رسمي بين الجماعة وحزب «المؤتمر الشعبي العام» الذي يترأسه صالح، خلال الساعات المقبلة.

التوافق مع
صالح هو تقاطع
آنيّ في المواقف
لا تحالف سياسي


في حديثٍ لـ«الأخبار»، نفى المتحدّث الإعلامي باسم جماعة «أنصار الله»، محمد عبد السلام، إعلان أي تحالف رسمي مع حزب صالح، مؤكداً أن التوافق البادي اليوم بين الجماعة وحزب «المؤتمر» هو «مجرّد تقاطع آني في المواقف، لا تحالف سياسي». وأوضح عبد السلام أن «المؤتمر»، هو أحد المكونات السياسية في البلاد، وهو من موقّعي اتفاق «السلم والشراكة الوطنية»، لذا «يحقّ له الاعتراض على ما يراه مخالفاً لمحتوى الاتفاق». كذلك، جدّد عبد السلام تأكيد موقف الجماعة من ضرورة «إعادة النظر» في التشكيلة الحكومية الحالية.
تسيطر على كلام الحوثيين ونبرتهم عموماً، لغة إنشائية فضفاضة حول «إرادة الشعب اليمني» و«تحرير اليمنيين»، من دون تسمية الأشياء بأسمائها. حتى إنهم عندما اعترضوا على التشكيلة الحكومية، أخيراً، اكتفوا بقول، إن أسماء بعض الوزراء «لم تلتزم معايير الكفاءة والنزاهة التي اتُّفق عليها مسبقاً». فيما يُرجَّح أن اعتراض الجماعة ومطالبتها بتعديل التشكيلة، جاءا بسبب بقاء بعض الوزراء المحسوبين على «التجمع اليمني للإصلاح» (إخوان مسلمون) من الحكومة السابقة، وهم وزراء الكهرباء، التعليم الفني والمهني والصناعة والتجارة. كذلك قد يكون اعتراضهم شمل تعيين وزير المالية والسياحة، المحسوبيْن على الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي.
واعتُبر تصريح مستشار الرئيس هادي، الذي ينتمي إلى جماعة «أنصار الله»، صالح الصماد، مؤشراً على الخطوات التصعيدية التي قد تتخذها الجماعة قريباً، في سيناريو مشابهٍ لسيطرتها على صنعاء في أيلول الماضي. وقال الصماد، أمس: «أنتم تحفرون حفرة السوء وستكونون أول من يقع فيها»، متابعاً: «إن الشعب لن يرحمكم، وإنّ غداً لناظره قريب». ورأى الصماد، الذي عُيّن مستشاراً للرئاسة بناءً على شروط الحوثيين بعد سيطرتهم على صنعاء، أن «الثوار الأحرار اعتصموا وسقط لهم شهداء من أجل كرامة اليمنيين، فيما جاءت الحكومة من اصطفاف الستين»، في إشارةٍ إلى قوى «الاصطفاف الوطني» التي كانت تتظاهر في شارع الستين في العاصمة احتجاجاً على تحرك الحوثيين، وتضمّ حزب «الإصلاح».
يدرك الحوثيون دقة التركيبة اليمنية، وهم يرمون منذ البداية إلى تحقيق مكاسب على صعيد السلطة السياسية، لا الاستئثار بها. ويعبّر موقف الحوثيين الأخير من الحكومة الجديدة بوضوح عن أنه لم يعد مجدياً عدم اعتراف القوى السياسية بأحقية الحوثيين بالمشاركة في حكمٍ يحافظ على العناوين السياسية العريضة التي تتبناها الجماعة، ما يضمن تقليص النفوذ السعودي الأميركي على السلطة في البلاد. ولعلّ ما يؤكد نجاح الحوثيين في تحقيق هدفهم، الإجراءات الانتقامية التي يتخذها الخاسرون من هذا الحراك، إما عبر العقوبات أو عبر تحريك تنظيم «القاعدة» لقتال الحوثيين وتسعير الصراع معه بواسطة «طائرات من دون طيار».