الخرطوم | لا تزال تداعيات وثيقة كمبالا التي وقّعتها الأحزاب السودانية المعارضة قبل أسابيع مع حركات متمردة في دارفور وجنوب كردفان، بهدف إسقاط النظام، تلقي بظلالها على المشهد السياسي في البلاد. وبعدما كثفت السلطات من حملاتها الاعلامية ضد الوثيقة والموقّعين عليها على حدّ سواء، شرعت الحكومة في تحريك إجراءات قانونية ضد الأحزاب التي بعثت بممثلين لها إلى العاصمة الأوغندية كمبالا ليوقّعوا نيابةً عنها على الوثيقة، وسط مخاوف من أن تؤدي هذه الإجراءات إلى حظر الأحزاب.

مخاوف عزّزها إيداع الحكومة شكوى رسمية من جهاز الأمن الوطني لدى مجلس شؤون الأحزاب، وهو الجهة القانونية المناط بها منح التصاريح للأحزاب السياسية لممارسة نشاطاتها السياسية. وطالبت الشكوى، التي ذيّلت بعبارة «سري للغاية»، بأن يخاطب مجلس الأحزاب أحزاب «الأمة القومي»، «المؤتمر الشعبي»، «الحزب الشيوعي» و«الاتحادي الأصل» لتوضيح مواقفها من الوثيقة وتوضيح علاقة الشخص الموقّع على الميثاق نيابة عن الحزب بأجهزته التنظيمية.
وترى الحكومة السودانية أن الأحزاب الأربعة بتوقيعها ومباركتها لميثاق كمبالا، تقدم دعماً معنوياً لقوى الجبهة الثورية التي تتبنى منهج العمل العسكري ضد النظام القائم. وهو ما يعتبر من وجهة نظر الأمن القومي مخالفة صريحة للدستور، إذ نصّت الوثقية على أن تعمل القوى السياسية الموقّعة على إسقاط النظام بوسائل مختلفة، على رأسها العمل السلمي المدني والكفاح الثوري المسلح.
مجلس شؤون الأحزاب ترك الباب موارباً أمام قرار حل الأحزاب السياسية باعتباره القضاء الجهة الوحيدة التي يحق لها الفصل في ذلك. وفيما نفى الأمين العام لمجلس شؤون الأحزاب، محمد آدم محمد، في حديث إلى «الأخبار»، أن تكون الشكوى تمهيداً لحل الأحزاب، أحيلت قضية الأحزاب أول من أمس على المحكمة الدستورية ليقول القضاء كلمته.
وحسب الأمين العام لمجلس شؤون الأحزاب، تم رفع شكوى بوجود مخالفات، ضد ثلاثة أحزاب لم يسمّها، إلى المحكمة الدستورية التي لها الحق في إقرار حل الأحزاب وفرض العقوبات عليها أو شطب الدعوى لعدم كفاية الأدلة.
وبانتظار ما ستتخذه المحكمة، استنكرت الأحزاب الحملة عليها، معتبرةً أنها تمهد لحل الأحزاب السياسية الأربعة وحظر نشاطها السياسي، وبالتالي العودة إلى مربع الحزب الواحد واحتكار العمل الوطني بدعوى انتهاك الأحزاب للدستور وقانون الأحزاب.
أمين سر حزب البعث السوداني، عضو هيئة تحالف قوى المعارضة، محمد علي جادين، وضع ما يجري في إطار حملة من السلطات ضد المعارضة، ولا سيما أن ملاحقة الأحزاب جاءت بعد أيام من إغلاق السلطات للمراكز الثقافية من دون توضيح أي أسباب قوية، «وإلا لكانوا حولوها إلى المحكمة». ورأى جادين في حديث مع «الأخبار»، «أن الغرض كان إيقاف نشاط تلك المراكز، سواء بالقانون أو بغيره».
وعلى الرغم من اختلاف الرؤى بين قوى المعارضة والحركات المسلحة حول منهج التغيير، أثار اتفاق المعارضة الداخلية مع تلك الحركات حول مبدأ تغيير النظام حفيظة السلطات. وهو ما فسّره الأمين السياسي في حزب المؤتمر الشعبي، كمال عمر، بقوله «إن سعي السلطات للزج بالأحزاب في أتون العمل المسلح لن ينجح، لأن وسائل تحالف قوى المعارضة لإسقاط النظام التغيير عبر الحل السلمي المدني». وأوضح لـ«الأخبار» أن حزب المؤتمر الوطني الحاكم بلجوئه إلى المحاكم فإنه يريد إذلال الأحزاب، مشدداً على أنه لن ينجح. وأضاف عمر «بالنسبة إلينا الأمر واضح، وهو أن الهدف من الشكوى هدف سياسي في المقام الأول، يراد به ابتزاز المعارضة عن طريق الأجهزة الأمنية، والاستمرار في تركيع الأحزاب». وشدد على أنه لو كانت هناك مؤسسات محترمة، فالصحيح هو أن يتولى هذا الأمر «مسجِّل التنظيمات السياسية»، مشيراً إلى أن ما جرى يثبت أن مجلس شؤون الأحزاب «مجرد مأمور، ولم يمارس سلطته الطبيعية، وبالتالي فهو ليس مستقلاً بل مُستغل».
ورداً على قول السلطات إن ما قامت به الأحزاب غير دستوري، تساءل فضل الله برمة ناصر، نائب رئيس حزب الأمة القومي، «هل هم أتوا بطريقة دستورية؟»، في إشارة إلى نظام الإنقاذ. وأكد لـ«الأخبار» عدم التراجع عن التغيير بالطرق السلمية، مبدياً دهشته من منع الحكومة للأحزاب السياسية من الاتفاق مع الحركات المسلحة. وقال «ماذا جنينا من حروب استمرت لـ50 عاماً؟ على الحكومة أن تدرك أن الحركات المسلحة الآن ترفع السلاح في وجهها لأنها تعارض سياستها».
موضوع حل الأحزاب السياسية ليست أمراً مستحدثاً في التاريخ السياسي السوداني. فقد تم حل الحزب الشيوعي بعد أربعة أعوام من خوضه لانتخابات 1965. كذلك حلّ الحزب نفسه عام 1969 في فترة حكم الصادق المهدي الأولى. وفي العام ذاته، تسلّم الرئيس جعفر نميري الحكم وأعلن منذ البداية ثورته على الأحزاب التقليدية (الأمة والاتحادي).