دمشق | المدينة العتيقة لم تسلم هي الأخرى من لعنة الرعب. هنا ساحة باب توما. الباب الأثري المؤدي إلى زقاق دمشق القديمة. تستقبلك أكياس الرمل على جانبي الساحة الرئيسية للمنطقة، ثم تظهر بندقيات الحاجز الذي أقيم بعد انفجار سيارة مفخخة أمام قسم شرطة القصاع، وسط ساحة باب توما في تشرين الأول الفائت. هذه الضربة الإرهابية التي دفع فاتورتها أهل الحيّ والزوار الذين يبحثون دائماً عن ركن هادئ يعيد لهم ثقتهم بالإنسان السوري الخائف على إرثه الاجتماعي والتاريخي. غاب عن باب توما مظهرها الاحتفالي الاعتيادي، الذي كان يرسمه العشّاق والأصدقاء والسيّاح. واحتلت الريبة والشك عيون العناصر المسلحة (اللجان الشعبية) المتوزعة على مفارق الحارات الرئيسية، لتصبح زوايا الحارات ملونة بالثياب المموهة، حيث لا يعرف أحد من المارة أن أولئك مكلفون بحراسة الحي، في غياب تام للشرطة المتخصصة بحماية مثل هذه الأماكن (سياحية _ أثرية) التي تقع في الجهة الشمالية الشرقية لمدينة دمشق القديمة.

أمام الحاجز الأمني الرئيسي للساحة ستجد السواتر الاسمنتية وقد طبع عليها علم البلاد، لتشكل ما يشبه المثلثات المفتوحة لحماية قسم الشرطة ونقاط «اللجان الشعبية». لا تلتفت نحو العيون المترقبة، فثمة شكّ في أيّ وجه غريب يحمل حقيبة أو يعبر بسيارته إلى الداخل. شك يطاردك حتى لو كنت من أبناء هذا الحي، كما يقول فداء، الشاب الجامعي، الذي يعيش في إحدى غرف البيوت القديمة منذ سنوات مع مجموعة من الطلاب. «اعتدنا على أصوات الطيارات والقصف والرصاص، وها نحن نعتاد على وصاية السلاح الذي قطّع أوصال حارات باب توما»، يضيف.
كان فداء يتحدث بخوف يدلّ على قلق واضح نقله إلى صديقته في السكن، وعد. الفتاة التي تدرس في كلية الفنون الجميلة، غادرت منطقة السويداء لتكون وحدها في دمشق. اختارت الشام القديمة لسهولة التنقل وبعدها عن المناطق الساخنة.
تقول: «تركت جرمانا منذ فترة بعدما استهدفت القذائف العشوائية أحياءها، وهذا ما أثار الرعب لدى أهلي الذين أصرّوا على تركي الدراسة في دمشق وعودتي إلى السويداء، لكني رفضت ذلك مؤمنة بتحدي الخوف، وصناعة ذاتي ولو على كف عفريت، فجئت إلى باب توما بحثاً عن الأمان والحياة». تشبه وعد في أحلامها عشرات الشباب الذين بقوا في الأحياء القديمة، رغم التوتر الأمني، الذي طرأ مؤخراً عليها.
في العمق قليلاً باتجاه جادة «القشلا _ حارة اليهود»، بالقرب من البيوت التي تجاوز عمرها مئات السنين، ستقرأ عبارات عن «سقوط المؤامرة الكونية وانتصار جنود الأسد». وستلفتك، في ما بعد، الخوذة النائمة جانباً وقد انتصب أمامها كرسي بلاستيكي يجلس عليه شاب عشريني بثياب مموّهة محتضناً بندقيته، وسط الزحام وباعة الحلويات، بينما ضوء الشمس يحدد تفاصيل المشهد أكثر.
في نهاية الشارع، تقرأ على الجدران عناوين مقاهٍ وأسماء مطاعم كانت منذ زمن بيوتاً دمشقية، ثم تحوّلت منذ سنوات إلى استثمارات سياحية لجذب الناس من أبناء المنطقة ومحيطها وأحياناً من خارج البلاد. لكن رواد تلك الأمكنة تقلصوا إلى حدود كبيرة، بحسب تعبير نجيب، الذي يعمل نادلاً في مقهى قرب إحدى الكنائس: «تراجعت حركة الزبائن، وأصبح الوضع الأمني هو الحاكم في مدى الإقبال على هذا المقهى أو ذاك».
وكحال أغلب المقاهي والمطاعم، الطاولات هنا خاوية إلا من بعض الوجوه. في الخارج، يسمع اشتباك قرب منطقة جوبر، وتجمّع عشوائيات «جسر الكباس». سكان البيوت العتيقة التزم أغلبهم مكانه بعد انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، وبسبب قرب المنطقة لبعض الأرياف الساخنة، مثل الطريق المؤدي إلى منطقة المليحة، الذي يعتبر خطيراً بعد مغيب الشمس.
يعتبر مضر، وهو صحافي مقيم في باب توما منذ عشر سنوات، أنّ: «إثارة الخوف أصبحت سياسة، بغض النظر عن الجهة التي تصدر هذه السياسة وتعمل عليها».
وهذا برأيه أبرز المساوئ التي أنتجتها الأحداث السورية الأخيرة. لكن محمد، المترجم والكاتب، يعتبر «أنّ وجود اللجان الشعبية هو الهدف الرئيسي من هذا الترويع، والذي حدث مؤخراً في ساحة باب توما كفساد بعض الأشخاص جعلهم أولّ المتقدمين لحمل السلاح، تحت مسمّى اللجان الشعبية من أجل إخفاء قضايا أخرى سبق أن أثيرت حولهم قبل وصول التوتر الأمني إلى منطقة باب توما».
هناك مناطق حملت السلاح في حيّ باب شرقي المتداخل مع باب توما عبر الحارات الضيقة، وخصوصاً في حي «العبّارة»، رغم رفض رجال الدين المسيحيين لذلك، كما يقال. أما في حارة «الجورة»، ذات الغالبية الشيعية، فيمكنك أن تشاهد عنصرين مسلحين من «اللجان الشعبية» على المداخل والمخارج الفرعية للحارة. تقول ميشلين، التي تملك مرسماً في باب توما، إنّ «كثيراً من الأحاسيس تغيرت هنا والأشياء العمرانية والتحف والأنتيكة باتت تتمنى لو أنها لم تكمل تاريخها إلى يومنا هذا».
تسرقك مظاهر الحياة في ظهيرة يوم دافئ. تبحث في الطرقات الدمشقية عن بيت شعر لنزار قباني محفور على رخام أحد سبل شرب الماء، أو ربما تشتهي مخزن أدوات موسيقية ينشر دعوته للتواصل مع الناس قرب «طالع الفضة». تلك الساحة التاريخية التي تحكي عن ضفائر دمشق وتعايش أطيافها الفكرية منذ آلاف السنين جنباً إلى جنب بعيداً عن لعنة السلاح وفوران الانفجارات.
التقاط صورة في المكان ليس يسيراً، فهناك من قد يمنعك بحجة أمنية، وإذا أخرجت كاميرا الفيديو لتسجّل لحظات أمل يحملها بعض الأطفال، وهم يركلون علبة تنك كأنها كرة قدم تخاف أن تنزل على رأسك حجرة من هناك، تقول لك: «أنت غريب عن حيّ عتيق يمتد أساساً من جذورك الشاميّة!». حتى إذا غيّرت وجهتك لتقف قليلاً متأملاً وجع البيوت وقلق جدرانها نادت عليك الشمس أن تمضي باكراً حتى لا تعرّض نفسك لمساءلة من قبيل: «ماذا تفعل هنا؟
أنت... إلى أين ذاهب؟ ماذا تحمل في حقيبتك؟ ما اسم الشخص أو المكان الذي ستذهب إليه؟». هي أسئلة توجّه لابن البلد العابر نحو تاريخ مدينته القديمة، لعلّه يجد صخرة صغيرة يجالسها ويلعب مع التراب البارد قرب الباب الشرقي، بينما ترمقه الأعمدة الصامتة.