رام الله | لطالما كانت حقيبة وزارة المال من أصعب الحقائب في كل تشكيل حكومي جديد في الأراضي الفلسطينية، سواء كانت حكومة في الضفة وحدها، أو حتى حكومة توافق كالتي شكلتها حماس سابقاً قبيل انفصال قطاع غزة عن الضفة الغربية، فهي وزارة سيادية يسعى إليها الجميع، ووزارة خلافية في الوقت ذاته للسبب نفسه، وكل ذلك بعيداً عن الأزمة المالية التي تطيح السلطة الفلسطينية حالياً.

فالحدث الأبرز في فلسطين كان نهاية الأسبوع استقالة وزير المال نبيل قسيس، التي قدمها الى رئيس الحكومة سلام فياض أول من أمس السبت. أما الأسباب، فهي الأزمة المالية أولاً، وخطة التقشف التي لم تنجح، والمناكفات المستمرة مع النقابات العمالية في فلسطين، وخاصة الانتقادات التي وجهتها له عدة نقابات إثر تصريحات أدلى بها حول نيته التقليص من العلاوات التي تقدم للموظفين إذا ما استمرت الأزمة المالية.
وفيما خرجت تصريحات عن الأمين العام للرئاسة الفلسطينية الطيب عبد الرحيم، بأن الرئيس محمود عباس رفض استقالة قسيس، قبل رئيس الوزراء الفلسطيني أمس الاستقالة، وفق بيان وزع عقب اجتماع الحكومة، علماً بأن عباس ليس الشخص الذي يقبل أو يرفض استقالة أي من الوزراء، حسبما ينص القانون.
وجاء في البيان أن فياض «أطلع مجلس الوزراء على كتاب استقالة وزير المال نبيل قسيس وما تضمنه من أسباب لهذه الاستقالة، وأبلغ فياض المجلس أنه قبل الاستقالة»، معبراً عن «جزيل شكره لقسيس على العمل معاً في هذه الحكومة».
ونقلت صحيفة «الأيام» الصادرة أمس عن قسيس قوله إن استقالته «ليست لأسباب شخصية، وإنما لتكوين قناعة لدي ّبأن متطلبات التعامل مع موازنة العام 2013 والعجز المتوقع فيها بنجاح غير متوفرة». وأضاف «لم يتم اتخاذ قرارات لخفض العجز بشكل ملموس، بل هو يتنامى في وقت تنتظر فيه الموازنة الإقرار من خلال قرارات لها أثر مالي لا أتفق معها ولم أُستشر فيها».
ويعتقد المحللون، الذين تحدثت إليهم «الأخبار»، بأن الاستقالة تعني «الهروب إلى الأمام»، لأن وزير المال ليس لديه قدرة على وضع موازنة، ولا سد عجز السلطة المالي في ظل الأزمة الراهنة، كما أنه لا يملك إمكان اتخاذ قرارات حاسمة لتخفيف المصاريف الجارية للسلطة، لتوفير الحد الأدنى من الرواتب.
ومعلوم أن هناك تحديات كبيرة أمام جهاز السلطة على المستوى المالي، وهذه التحديات بحاجة إلى إرادة سياسية قوية من أجل الوقوف أمامها، من خفض حقيقي لبعض النفقات، إلى تحسين وتنظيم جباية الضرائب.
وبحسب المحللين، فإن الإرادة السياسية للسلطة الفلسطينية مشوّشة حالياً، والجهاز التنفيذي مترهل وغير منتج، وبالتالي فإن الاعتقاد السائد هو عدم إمكان الخروج من هذه الدوامة قريباً، وطبعاً هذا الأمر يصب في الأساس في مصلحة إسرائيل، التي «لن تسمح للسلطة بالانهيار الكامل، لكنها لن تخرجها من هذا المستنقع»، فكلما قاربت السلطة على الانهيار، وتحديداً «مالياً»، تمدّ إسرائيل لها يد العون، ولكن بشكل يسمح لها بإبقاء رأسها فوق الماء وتفادي الغرق.