جاءت الجولة التي قام بها قائد الجيش الثاني الميداني المصري، اللواء أركان حرب أحمد وصفي، في قناة السويس أول أمس، بالتزامن مع تأكيد الفريق مهاب مميش، رئيس هيئة قناة السويس، أن القناة خط أحمر، لتعيد تسليط الضوء على الأهمية القصوى للقناة التي تعدّ من أهم الممرات الملاحية حول العالم، إن لم يكن أهمها على الإطلاق.


ولذلك أيضاً لم تكن مستغربة الزيارة التي قام وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، في كانون الثاني الماضي، عقب حديث الرئيس محمد مرسي عمّا يعرف بمشروع تطوير المجرى الملاحي لقناة السويس بوصفه مشروع مصر القومي المقبل.

أهمية قناة السويس

تأتي أهمية قناة السويس على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري من موقعها، إذ تعتبر أهم شريان مائي للتجارة العالمية بين الشرق والغرب، لكونها أسرع طريق يوصل النفط الخليجي إلى أوروبا والولايات المتحدة.
ولطالما كانت أحد أسلحة مصر الاستراتيجية على مدى كبير من الزمن، بدءاً من معركة تأميمها وخوض القوى الاستعمارية (فرنسا _ إنكلترا _ إسرائيل) حرباً في 1956 من أجلها، ثم استخدام مصر لها كورقة ضغط في حرب 1973، فضلاً عمّا تدرّه من دخل على مصر يعدّ الأهم في مصادر الدخل القومي بمبلغ، قدّر عام 2011 _ 2012 بحوالى 5 مليارات دولار.
ولذلك لا يعود مستغرباً أن تكون القناة اليوم هي الحاضر الغائب في الكثير من الأحاديث الجادة التي تتعلق بمستقبل مصر والمنطقة بأسرها. وهي النقطة الاستراتيجية الأبرز من الأحداث المندلعة منذ شهر ونصف في ما يعرف بمدن القناة (بور سعيد _ السويس _ الإسماعيلية). وهي في الوقت ذاته مصدر أمل لحكومة الإخوان، حيث ينظر إلى القناة كمنقذ في ما يتعلق بالشأن الاقتصادي عبر إتمام مشروع شرق التفريعة. ويقوم المشروع على فكرة تحويل محور القناة ومنطقة شرق التفريعة إلى منطقة لوجستية عالمية اقتصادياً وعمرانياً، بحيث تقدم خدماتها للسفن التي تمر عبر القناة، على ألا يقتصر الأمر على تحصيل رسوم المرور، بل يرتفع إلى تحصيل رسوم على كل ما تحتاج إليه السفن والناقلات. وهو ما ستصحبه مشروعات أخرى متعددة، غذائية وصناعية، قدّر البنك الدولي عائداتها السنوية، في دراسة له قبل الثورة، بحوالى 50 مليار دولار، قبل أن يتوقف وضع النواة الأولى لهذا المشروع بفعل تدخلات لأباطرة السياسة والاقتصاد داخلياً وإقليمياً وعالمياً.

تنافس قطري _ إماراتي

صحيح أن القناة محطّ أنظار وتساؤل أي حديث من قبل المسؤولين الأجانب، ولا سيما الجانب الأميركي والإسرائيلي، وهو ما ظهر في الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الأميركي جون كيري، لكنها أيضاً أصبحت ساحة خلفية وأداة صراع إقليمية، بعدما قفز مشروع تطوير الممر الملاحي للقناة إلى الواجهة عقب الثورة. وتدور الأحاديث عن صراع قطري _ إماراتي بشأن انعكاسات المشروع على كل منهما. فالاستثمارات القطرية في مصر تأخذ منحى تصاعدياً، ووجود يد اقتصادية طولى للقطريين في مصر قد ظهر بشكل جدي مع تصريحات رئيس الوزراء القطري، حمد بن جاسم، «بأن قطر لن تترك مصر تسقط اقتصادياً»، فضلاً عن منح قطر لمصر مساعدات ووديعة تقدر بحوالى 5 مليارات دولار، إلى جانب استحواذ الدوحة على مصرف البنك الأهلي سوسييته جنرال «NSGB». لكن هذا كله قد لا يعني شيئاً مهماً مقارنةً مع ما يتردد عن رغبة القطريين في الاستحواذ على نسبة كبيرة من استثمارات الإماراتيين في منطقة السويس.
ووفقاً للصحافي السويسي، سيد نون، فإن السويس تضم أكبر منطقة صناعية في المنطقة بطاقة 480 مصنعاً وشركة، كما أنها مصدر جذب كبير للاستثمارات المصرية وغير المصرية، لافتاً إلى أن العين السخنة (منتجع سياحي واستثماري وصناعي على ساحل خليج السويس) يوجد فيها أكبر ميناء حاويات، وتسيطر عليها شركة موانئ دبي العالمية.
وأوضح نون لـ«الأخبار» أن قطر تتمنى إبعاد موانئ دبي عن هذه المنطقة، مشيراً إلى أن عدداً من مشاكل العمال ومشاكل المناطق الصناعية في السويس وما حولها تتكاثر في الآونة الأخيرة بعدما دخل العمال في إضرابات متكررة عن العمل للمطالبة بتحسين ظروفهم. وهو ما يهيّئ الفرصة للرفض الإماراتي في الأوساط العاملة إذا ما طرحت مقارنة بين الطرفين. لكن نون أشار إلى أن الإماراتيين لا يزالون صامدين، وهو ما انعكس في الانفراجة الكبيرة التي شهدتها قضايا العمال أخيراً. ويرى نون أن جزءاً من الأزمة يعود إلى أن قطر تريد استثمار الفرصة الحالية في اهتزاز الموقف الاقتصادي لموانئ دبي، فضلاً عن أن قطر باتت الآن أقرب إلى مصر من الإمارات.
ولفت نون إلى أن «الاستثمارات القطرية في السويس وما حولها أصبحت ظاهرة بقوة من حيث فتح مجالات للاستثمار أو شراء مصانع وشركات من قبل رجال أعمال قطريين». إلا أنه عاد وأكد أن استحواذ القطريين على المشروع اللوجستي الخاص بقناة السويس وشرق التفريعة، قد يلقى ممانعة من أطياف في السويس، ولن ينال رضا الشارع بسهولة، لأن السائد في السويس أن قطر تريد «خنق القناة» بتملّكها مشروعات تحيط بها.
في المقابل، تخشى الإمارات من إمكان السيطرة القطرية على المشروع، على اعتبار أنه سيكون ضربة إضافية للمشروع الاماراتي الهادف إلى الحضور بنجاح في مناطق استراتيجية من العالم. وهو المشروع الذي تلقّى أكثر من ضربة في الأعوام الماضية، وآخرها اضطرار موانئ دبي قبل أشهر إلى التخلي عن كامل حصتها في شركة «دبي وعدن للتطوير» بعد أربع سنوات من إدارة موانئ عدن اليمنية التي تعد المحور الاستراتيجي المؤثر في منطقة القرن الأفريقي. ويضاف إلى ذلك فشل الامارات عام 2006 في الفوز بمناقصة إدارة 6 من الموانئ الأميركية لأسباب تتعلق بالأمن القومي الأميركي.
ويؤصل للتنافس الإماراتي القطري تصريحات الكثير من قيادات جماعة الإخوان المسلمين وكوادرها، مثل الدكتور أحمد مطر، بأن الحرب الشعواء التي تشنّها الإمارات على الإخوان ومصر يرجع جزء كبير منها إلى رغبة الإمارات في مساومة مصر والضغط عليها لإفشال هذا المشروع، أو أن يؤول إليها حتى لا تهتزّ موانئ دبي أمام البديل المصري، فضلاً عن ذهابه إلى دولة خليجية منافسة حال إتمام الأمر مع قطر. لكن الباحث الاقتصادي والصحافي محمود كمال قلّل من قدرة الإمارات على إفشال مشروع تطوير الممر الملاحي لسوء العلاقات مع الجانب المصري وضعف القبضة الإماراتية على الاقتصاد المصري، معتبراً أن غياب الرؤية والإرادة السياسية العملية والتوازنات مع الجيش هي العوامل الأبرز في حسم إتمام المشروع.
وكشف كمال لـ«الأخبار» أن «وزارة التخطيط المصرية بيّنت على لسان أحد مستشاريها الاقتصاديين، أنه لا يوجد حتى الآن دراسة جدوى للمشروع من قبل الحكومة المصرية تستطيع من خلالها الحسم في المشاريع والتصورات العديدة المقدمة من أطراف عديدة». ورأى أن هناك رغبة فعلاً لإتمام المشروع، لكن لا توجد رؤية كاملة حتى الآن تترجم هذه الرغبة.
إلا أن كمال رجّح لـ«الأخبار» أن التنافس الرئيسي في الاستحواذ على هذا المشروع سيكون بين بنك التنمية الإسلامي وقطر، فكلا الطرفين أكبر مموّل لمشروع الصكوك التي تسعى الحكومة ليكون معبرها من الضائقة المالية. ولفت إلى «أن الفوائض النقدية الضخمة التي تمتلكها قطر، ووجود أياد بيضاء لها على مصر اقتصادياً من خلال تقديمها المساعدات الأخيرة، تجعلها الأقرب». لكنه رأى أن «جلوس مساعد وزير المال منذ شهر ونصف مع ممثلي البنك الأميركي «سيتي بنك» للتباحث في شأن تمويل الصكوك، يكشف أن قطر لن تكون بمفردها في تلك المشاريع، بل سيكون معها شركاء آخرون، لكن ستكون هي صاحبة الاستحواذ الأكبر».
ونبّه كمال إلى أن القول الفصل في من يستحوذ على المشروع سيكون رهناً باللحظة الزمنية لاتخاذ القرار، ولا سيما مع وجود ممانعة مبطّنة للجيش وتحفظات كثيرة لديه على وجود استثمارات أجنبية على جانبي الممر الملاحي، أياً كان مصدرها. وسبق للجيش أن أكد أن «محور قناة السويس هو نقطة ارتكاز أساسية في قضية الأمن القومي المصري»، إن باعتبارها مصدراً رئيسياً للدخل القومي المصري أو باعتبارها محور ارتكاز بالنسبة إلى عمليات القوات المسلحة المصرية، وخصوصاً أهميتها بالنسبة إلى قوات الجيش التي تتمركز في سيناء.
ولذلك، رأى كمال أن أي أحاديث الآن هي من قبيل التنبؤات والمؤشرات في ضوء المعلومات الراهنة، مشيراً إلى أن المشروع قد ينفذ عبر شركات خاصة مصرية لكن بأموال قطرية، وقد يكون الإخوان أقرب إلى الجيش حينها، أو تكون الأوضاع استقرت لهم، ووقتها يفرضون جزءاً من شروطهم، مشدداً على أن هذه المنطقة يخضع العديد منها للجيش ومن الصعب أن يتركها تتعرض للخطر بسهولة.

التفاف إسرائيلي

أما على الجانب الإسرائيلي، فهذه القناة وهذا المشروع بمثابة صداع دائم لها. وتبحث إسرائيل طوال الوقت عن طريقة تنافس بها قناة السويس، كان آخرها إطلاق دولة الاحتلال العام الماضي مشروع خط السكة الحديد الذي يربط بين تل أبيب المطلة على البحر المتوسط وميناء إيلات المطل على البحر الأحمر ليكون بديلاً أو منافساً لقناة السويس.
ووفقاً لبيان صادر عن الحكومة الإسرائيلية وقت التصديق على هذا المشروع، فإنه سيمتد لمسافة 350 كيلومتراً وتستمر أعماله قرابة 5 أعوام ليكون بمثابة الجسر بين الدول الآسيوية والجانب الأوروبي، إضافة إلى مهمة شحن الغاز الإسرائيلي بعد اكتشاف كميات منه في البحر المتوسط.
إلا أن محمود كمال يؤكد أن الدراسات والأبحاث تثبت أن النقل البحري هو الأكثر سرعة والأقل كلفة، «فتهديد المشروع الإسرائيلي يجب أن ينبهنا إلى أهمية التطوير لكنه لا يقلق على المستوى الاستراتيجي».




مزايا استراتيجية

وفقاً لتقرير أعدّته قناة «الجزيرة» اعتماداً على إحصاءات رسمية، يبلغ الطول الكلي لقناة السويس 190.250 كيلومتراً، والعرض من الشمال يبلغ 345 متراً ومن الجنوب 280 متراً. أما عمق القناة 22.5 متراً. كذلك فإنها صالحة للملاحة ليل نهار، ونسبة الحوادث فيها ضئيلة جداً. ويمكن توسيعها وتعميقها وفقاً لتطورات السفن، وتسمح بعبور الناقلات العملاقة وهي فارغة. ويمر فيها 7 في المئة من تجارة العالم المنقولة بحراً، و35 في المئة من موانئ البحر الأحمر والخليج العربي، و20 في المئة من موانئ الهند وجنوب شرق آسيا وإليها، و39 في المئة من الشرق الأقصى وإليه. لكن الأهم هو توفيرها للوقت والمسافة المقطوعة، إذ إنها توفر مسافة تبلغ 86 في المئة بين المسافة من جدة في السعودية حتى البحر الأسود، و23 في المئة بين طوكيو وروتردام (هولندا) عبر طريق رأس الرجاء الصالح.