دمشق | دخلت المرأة السورية الصراع المسلح بشراسة الانتماء للمعتقد والتوجه السياسي. ستختلف تركيبة المجتمع في ما بعد، وسيرتفع منسوب العنف بغياب المرأة عن دورها في التربية والرعاية الأسرية، وربما بتنظيم الحياة وترتيب حطامها اليومي.

الحكومة السورية أعطت الإذن بإقامة «جيش الدفاع الوطني» المؤلف من فصائل متطوعة من عامة الشعب. ولدى الجيش النظامي يقتصر عمل المتطوعات على الحواجز والاستعداد في حال الاحتياط على جبهة المواجهة على طول المناطق التي بسطت الحكومة السورية سيطرتها عليها. ويبلغ تعداد معسكر «لبوات الأسد» أكثر من أربعمئة امرأة، فيما تضمّ «كتائب البعث» عشرات البعثيات اللواتي أسّسنا الفصيل لهنّ في حلب. في المقابل، نرى نساء المعارضة في «لواء خولة بنت الأزور» المنتشر في أكثر من محافظة، وخصوصاً في إدلب وأرياف حلب، يعملن في حماية المستشفيات الميدانية، إضافة إلى احتراف بعضهن لعمليات القنص، كما في دير الزور، وأعمارهن تتراوح ما بين التاسعة عشرة حتى منتصف الأربعين.
منهن من تأخرن، كما قلن، في النهوض إلى جانب حلفائهن من الجيش العربي السوري أو في الحالة الأخرى «الجيش الحرّ». يتحدثن كأنّ السلاح صديق قديم، وكأنّ العنف مستقبل البلاد. تقودهن رغبات صارخة في حسم المعركة، وفي عمق الظاهرة تستيقظ رغبة الأنثى في المغامرة بعد تهميش سلطوي عاشته لسنوات طويلة. وتقول إحدى مقاتلات «جيش الدفاع الوطني» لـ«الأخبار»: «أريد أن أتعلم... أريد أن أقدّم أيّ شيء للوطن».
في الضفة المواجهة، تظهر مقاتلة من «الجيش الحرّ» في تسجيل على موقع «يوتيوب» يعود إلى الخامس من شهر آذار/ مارس الحالي، بعد عملية إعدام ميداني شهدتها إحدى ساحات مخيم اليرموك لمن قيل عنهم «عواينية النظام» لتعلق: «كنّا سلميين وسنبقى كذلك... لكن السلاح ضروري، فهم أجبرونا على حمله...!».
في الحقيقة إن الصبغة العقائدية هي التي أفرزت هذه الظاهرة وحدّدت مطالبها بوضوح، إذ تجد نساء المعارضة المسلحة بوجوههن الملثمة بالأسود وقد عُصبت رؤوسهن بعبارة «لا إله إلا الله» وهن متشحات بالسواد، بينما تهتف نساء الموالاة «سوريا... الأسد» بثياب الجيش السوري، كما ظهرن في شريط مسجل على موقع «يوتيوب» ضمن معسكر تدريبهن الأكبر في حمص. مشاهدة بسيطة لهذا التحول الخطير في الصراع تزيد من تفتت البنية الاجتماعية السورية بأطيافها المختلفة.
إحدى الناشطات ترى أن «النظام دفع بأطراف الصراع إلى العنف، وجرّ حتى الأطفال إلى حمل السلاح، في ظل غياب الحل السياسي الذي يحتاج إلى مبادرات عملية لا نظرية». ومع ذلك يبرر البعض لنفسه أو للآخرين أن يقتل. بغض النظر عن ماهية الاختلاف الحاد الذي يعيشه معظم السوريين، لكن ماهية القتل أصبحت مسألة عابرة، ولعنة التدخل الخارجي العسكري لا تزال تجول في أفكار البعض.
الانتقام صفة فطرية لدى الناس، وتبدو هنا في تجليها الأقسى. بدل أن تدفع المرأة عموم أطراف الصراع للجلوس إلى طاولة الحوار، ها هي تترك خلفها خراب النفوس وتشوّه الذاكرة لتشارك في الحرب! لعلها الحرب الأخيرة، تقول إحدى العاملات في الإغاثة، الكل يشترك في دفع فاتورة التغيير، إمّا نحو المجهول أو إلى إعادة الاستقرار. لعنة السلاح تمارس نشاطها في جمع المؤنث السوري، ولا توفر رعباً إلا وتنشره.