أنهى السودان وجنوب السودان، أمس، خلافاً دام أكثر من عام ونصف حول رسوم النفط والحدود، ما سيسمح بإعادة تصدير نفط جنوب السودان عبر الأراضي السودانية في غضون شهر على أبعد تقدير، في خطوة من شأنها أن تسمح بتوقف التدهور الاقتصادي في كل من الخرطوم وجوبا.

وزير النفط والتعدين في جنوب السودان، ستيفن ديو داو، أكد أمس أن بلاده تستطيع استئناف إنتاج النفط الخام، على أن يكون بمقدورها بيع إنتاجها عبر مرفأ التصدير السوداني في بورسودان خلال 28 يوماً، بعد إنهاء الخلاف مع السودان بشأن رسوم استخدام خطوط أنابيب النفط في الشمال التي تصدر جوبا عبرها نفطها إلى العالم.
وأعلن عقب توقيع الاتفاق بين كبير المفاوضين السودانيين إدريس محمد عبد القادر ونظيره من جنوب السودان باقان أموم، أن قوات البلدين التي تفصل بينها أحياناً مئات الأمتار، ستبدأ الانسحاب من منطقة تماس حدودية في غضون أسبوع، بعد الاتفاق على تطبيق ما تم التوصل إليه سابقاً لجهة إنشاء منطقة منزوعة السلاح من أجل تحسين الأمن. في المقابل، لم يحدد الاتفاق تاريخاً لتقرير الوضع النهائي لمنطقة أبيي المتنازع عليها، وهي محور التوتر المستمر بين الجانبين، لكنه نص على تشكيل إدارة ومجلس للمنطقة بحلول 17 من الشهر الحالي، فضلاً عن تكليف لجنة للاتفاق على حل الخلاف الحدودي بينهما. كذلك سيعاد فتح عشر نقاط حدودية في غضون أسبوع، بعد أن أدى إغلاقها الى خنق التجارة المحلية.
وجاء الاتفاق بعد جولات فاشلة من المفاوضات شارك فيها ممثلون عن الطرفين برعاية من الاتحاد الأفريقي، وتحديداً رئيس جنوب أفريقيا السابق ثامبو أمبيكي، كانت تهدف إلى استئناف ضخ النفط ووقف التدهور الاقتصادي في البلدين. ففي التاسع من تموز 2011، أوقف جنوب السودان كامل إنتاجه النفطي بالرغم من معرفة جنوب السودان المسبقة بخطورة هذه الخطوة، وخصوصاً أن النفط يعدّ شرياناً رئيسياً للحياة في السودان وجنوب السودان. لكن الخطوة كانت وقتها إيذاناً ببدء مرحلة من عضّ الأصابع بين جوبا والخرطوم، لأن من سيصرخ ألماً أولاً سيؤمن لخصمه مكاسب أفضل في المفاوضات التي أعقبت توقف ضخ النفط، وخصوصاً أن جوبا كانت تعتقد أن الضغط الذي سيسببه توقف النفط للخرطوم سيعجل من التوصل إلى تسوية لمسألة رسوم عبور النفط وعدد من القضايا العالقة الأخرى، وفي مقدمتها ملف أبيي المتنازع عليه بين الشمال والجنوب، والحدود التي مضى على الانفصال أكثر من عامين من دون أن يُنتهى من تحديدها.
واللافت أنه بعد أكثر من عام ونصف من التعنّت من قبل جوبا والخرطوم، خرجت صرخة الألم من الطرفين في التوقيت نفسه. فانقطاع عائدات النفط، جعل الدولة الوليدة تعاني من واحدة من أسوأ أزماتها الاقتصادية، ولا سيما أن مداخيل النفط تشكل النسبة الأكبر من إيرادات الموازنة (98 في المئة)، فضلاً عن أن الدولة تعتمد على استيراد غالبية احتياجاتها. وهو ما انعكس في ارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع الغذائية، وانخفاض قيمة العملة المحلية مقابل ارتفاع نسبة التضخم في البلاد.
أما في السودان، فلم يكن الوضع أفضل حالاً. فسياسة التقشف نتج منها تخفيض الإنفاق الحكومي وتخفيض دعم الوقود. أما التضخم فوصل إلى 46.8%. وهي نتيجة لم يكن بالإمكان التهرب منها، وخصوصاً أن الشمال الذي خسر بفقدان الجنوب قرابة ثلث إنتاجه النفطي، كان يعوّل على أن رسوم العبور التي سيتلقّاها من جوبا ستعوّض جزءاً من الخسارة.
وترافق كل ذلك مع توتر سياسي وأمني، دفع بالبلدين إلى شفا حرب، بعد احتلال جنوب السودان لحقل هجليج النفطي العام الماضي، قبل أن تحتوي قمة رئاسية جمعت الرئيس السوداني عمر البشير بنظيره الجنوبي سيلفا كير ميارديت الأزمة في أيلول الماضي. ولأن هذا الوضع المتدهور لم يكن بالإمكان استمراره إلى ما لا نهاية، شهد مطلع العام الحالي قمة أخرى بين الرئيسين وتكثيفاً للمفاوضات، وهو ما هيّأ الفرصة أمام نجاح وساطة الاتحاد الأفريقي أمس.
(الأخبار، أ ف ب)