رام الله | كان من المقرّر أن يكون السابع من نيسان المقبل يومَ محاكمة محمود الطيطي أمام المحاكم الفلسطينية. لكنّ هذا الموعد، الذي تأجّل مراراً منذ عام 2010، قُدّر له أن يظلّ مؤجلاً إلى الأبد هذه المرّة، بعدما خطف الموت ابن الـ25 ربيعاً إثر سقوطه شهيداً برصاصة «دمدم» متفجّرة في رأسه، داخل مخيّم الفوّار في الخليل.


حادثة مهدت ليُطلق بعدها النشطاء دعوة لتحويل اليوم المفترض لمحاكمة الطيطي إلى يوم لرفض سياسة التنسيق الأمني، وخصوصاً أن وقع الخبر كان أليماً على المدينة وهي تستقبل شهيدها الثّاني خلال أسبوعين بعد وفاة عرفات جرادات، شهيد التعذيب.
وحدَها قوى الأمن الفلسطينية تجاوزت الأمر سريعاً، وشرعت بحملة اعتقالات واسعة، تركّز معظمها في الخليل، واستهدفت أسرى محرّرين، تماماً كالطيطي.
ومدينة الخليل، التي تحاصرها المستوطنات، وتقطع أوصالها شبكة من الطرق الالتفافية المخصصة لتنقلات المستوطنين، لديها بروتوكل خاصّ بالتّنسيق الأمني، يُطلق عليه: «بروتوكول إعادة الانتشار». هذا البروتوكول تمّ توقيعه بين السلطة وإسرائيل عام 1997، وقُسّمت بموجبه المدينة إلى ثلاث مناطق: منطقة خاضعة كلّياً للاحتلال (ج)، ومنطقة خاضعة له أمنيّاً (ب)، بينما تضطلع السلطة بإدارتها، ومنطقة خاضعة إداريّاً وأمنيّاً للسلطة (أ)، مع وجود قوى أمن محدودة العدد وموزّعة على عدّة نقاط تفتيش بهدف «منع دخول أي أشخاص مسلّحين، أو متظاهرين».
وتشهد هذه المدينة مواجهات شبه يوميّة، ولا سيما في مناطق التماس المباشر التي تخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية، كالبلدة القديمة. وتعدّ هذه الأخيرة مركز المدينة، والشريان الذي كان يمدّها بالحياة، قبل أن يغلق الاحتلال شارعها الرّئيسي؛ شارع الشهداء، الّذي كان مقصداً للسّياح، ومصدراً للرّزق. ولذلك اندلعت احتجاجات للمطالبة بفتحه، بعدما أصبح حكراً على المستوطنين، الذين لا يزيد عددهم على 500 نفر؛ يشكّلون أرقاً يوميّاً لـ40 ألف فلسطينيّ في المنطقة التي تشهد عمليّة تهويد متسارعة، وترانسفير صامتاً.
أما في المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة، فيحول الأمن الفلسطيني دون وصول التظاهرات إلى نقاط التماس. ولم تكن صفعةُ عنصر الأمن الفلسطيني لأحد المشاركين في تظاهرات الأسرى قبل أسبوعين أمام عدسات الكاميرا، إلّا مثالاً صارخاً على حالة الهوس الأمني التي تعيشها هذه الأجهزة «للحفاظ على استتباب الأمن، وعدم الانجرار إلى الفوضى التي يريدها الاحتلال». تتجدّد المواجهات في تلك المنطقة تحديداً عند مداخل مخيّمي الفوّار والعروب، بالإضافة إلى منطقة باب الزاوية وسط المدينة.
وعلى السفوح الجنوبيّة لجبال الخليل، في المنطقة المصنفة (ج)، ثمّة عملية تهجير ممنهجة تستهدف البدو المقيمين هناك، فيما تتواصل استعدادات جيش الاحتلال للحرب «الاستراتيجية» المقبلة، بحجة أنّ تضاريسها شبيهة بتضاريس الجنوب اللبناني. هذه هي حال مدينة الخليل، التي تنمو في أحشائها شرارة انتفاضة. المدينة المقسّمة، والمحاصرة بالجدار، والاستيطان، وهمومها اليوميّة. المدينة المفتوحة على المواجهة في أكثر من بؤرة: كالمناطق الحدوديّة، والطرق الالتفافيّة، والمناطق غير الخاضعة للسيطرة الفلسطينية، عدا البؤر الاستيطانية المزروعة في قلب المدينة، مما يرشّح الأمور للانفلات من قبضة السّلطة هذه المرّة.
ما يميّز الحراك الذي تشهده المدينة هو أنّه يسير بشكل عفوي، وبدافع ذاتي من الشارع. يقول محمّد قنيطة، الناشط في الحراك المساند للأسرى: «طرقنا باب أكثر من فصيل ومؤسسة ولم نجد جواباً». كان الطيطي يشكو من الأمر ذاته، لكن عند استشهاده، سعى كلُّ فصيل إلى أن يقمّطه برايته.
قدمت الخليل العدد الأكبر من الشهداء منذ حرب غزة الأخيرة. وكما محمود، الذي يمثل حال كثير من الشباب الحامل للقضايا الوطنية بالإضافة إلى الهم اليومي المتعلق بأسئلة المستقبل الصّعبة: التعليم والوظيفة والاستقرار، فإنّ لكل شهيد في المدينة حكاية مؤلمة. محمد السلايمة من البلدة القديمة، اضطر في ميلاده السابع عشر إلى عبور نقطة عسكرية لشراء كعك العيد، وهناك أطلقت عليه مراهقة في جيش الاحتلال ست رصاصات من مسافة الصفر، لأنه كان يحمل مسدساً بلاستيكياً، فقضى على الفور. لتتحول بعدها المجندة إلى بطلة قومية في إسرائيل.
أشرف أبو ذريع من قرية بيت عوا، كان أسيراً، واستشهد عقب أسابيع قليلة من إطلاق سراحه، بعدما خرج من سجنه متخماً بالأمراض. أما عدي الدراويش من دورا، فهو شهيد «اللقمة»؛ ضبطته قوة حدودية وهو يحاول التسلل إلى مكان عمله في الأراضي المحتلة.
جميع الشهداء من الشباب. من لم يقتله الإهمال قتله التعذيب، ومن لم يقتله التعذيب قتله الدّمدم؛ الرصاص المتفجّر المحرّم دوليّاً، الذي يعيد إلى الواجهة مشاهد الانتفاضة الثّانية. شهداء موزّعون على مختلف مناطق الخليل؛ المدينة المرشحة، بمخيّمها وقريتها ومدينتها وبلدتها القديمة، للانفجار في أي لحظة