واشنطن | تشير مشاركة الآلاف من التونسيين في إحياء أربعينية المعارض شكري بلعيد، الذي اغتيل صبيحة 6 شباط الماضي، ونوعية الشعارات التي رُفعت يوم السبت الماضي المطالبة برحيل نظام الترويكا الذي تهيمن عليه حركة النهضة الاسلامية، إلى أن التشكيل الحكومي برئاسة علي العريض لم ينه حالة الخلاف والاحتقان السياسي اللذين تعيشهما البلاد.

ففيما يحتدم الصراع بين التيارات الليبرالية _ العلمانية وتيار الإسلام السياسي، يحذر خبراء ومحللون من مستقبل مجهول قد ينجم عن انسداد الأفق السياسي وتعاظم الأزمة الاقتصادية _ الاجتماعية في تونس إلى مستوى قد لا تستطيع الحكومة التي تشكلت الأسبوع الماضي حلها.
مع ذلك سعى العريض إلى طمأنة القوى السياسية التونسية وجمهورها إلى أن مهمة حكومته الأساسية التي وصفت بالمؤقتة هي الوصول بالبلاد إلى وضع دستور وإجراء انتخابات في موعد لا يتجاوز نهاية العام الحالي. غير أن مهمة العريض الذي يعتبر من أبرز قادة «النهضة»، تبدو أصعب من مهمة سلفه حمادي الجبالي الذي لم يستطع الوفاء بأي من تعهدات حكومته السابقة. وتواجه حكومة العريض تحديات أكبر قد لا تمكنّه الأشهر التسعة الباقية من العام الحالي من الوفاء بمجمل وعوده.
فالتحديات التي تواجهها حكومة العريض، كما أعلنها الأخير، تتراوح ما بين إنجاز الملف الأمني ومكافحة الجريمة والانحراف والعنف بكل أشكاله، وبين الكشف عن قتلة بلعيد ومواصلة النهوض بالاقتصاد والتشغيل، بما في ذلك وقف غلاء الأسعار وزيادة نسبة التضخم التي أضعفت القوة الشرائية للدينار التونسي. كذلك تشمل التحديات مواجهة عجز الموازنة وتهيئة الأجواء لإجراء الانتخابات الجديدة في حال تم إقرارها من قبل المجلس التأسيسي.
غير أن هذه الوعود لم تمنع المواطن التونسي من النظر إلى حكومة العريض باعتبارها «نسخة» أخرى من حكومة الترويكا السابقة، تشكلت بناءً على محاصصة حزبية. ورغم كل ما يقال عن تحييد الوزارات السيادية الأربع (الداخلية والدفاع والعدل والخارجية)، إلا أن مقربين من حركة النهضة تولّوها، حتى وزير الخارجية الجديد المتقاعد من السلك الدبلوماسي عثمان الجراندي كان قد أمضى كامل خدمته دبلوماسياً في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، يقوم بمهمات وظيفية أكثر منها سياسية.
كذلك فإنه وفقاً للتنظيم المؤقت للسلطات في تونس، فإن القرارات الوزارية لا تكتسب الصفة التنفيذية إلا بإقرارها كتابياً من رئيس الحكومة الذي تبقى من صلاحياته السيطرة على إدارة شؤون الحكومة كلها.
فضلاً عن ذلك، فإن المعارضة التونسية تقول إن احتفاظ العريض بعشرة كتّاب دولة (وزراء) ممن خدموا في حكومة الجبالي، وكان أداؤهم سيّئاً، مؤشر على أن تشكيل الحكومة الجديدة قد جاء على أساس سياسي وليس على أساس وطني يستند إلى الكفاءة.
وفي ما يتعلق بتعهد العريض بتهيئة الأجواء لإجراء الانتخابات العامة، فإن سياسيين وخبراء يشككون في إمكان التوافق على ذلك في المواعيد المحددة، إذ لا تزال الخلافات محتدمة داخل لجان صياغة الدستور بين حركة النهضة وبعض التيارات القومية والعلمانية، ولا سيما في ما يرتبط بمجالات الحقوق والحريات والمرأة وتنظيم الإعلام والصحافة ودور الشريعة في الدستور وتنظيم القوانين. وبالتالي قد لا يتم الاتفاق على وضع تاريخ محدد لإنهاء المرحلة الانتقالية.
يذكر أن إقرار الدستور والقوانين الناظمة للانتخابات يتطلب موافقة ثلثي أعضاء المجلس التأسيسي، فضلاً عن أنه في المقام الأول رهن بالاتفاق بين الكتل الحزبية داخل المجلس التأسيسي. وعلى الجانب الأمني، لا يزال ينتشر السلاح داخل الحدود وعبرها مع وجود أماكن لتدريب المسلحين وإرسالهم بتمويل من جهات أجنبية وخليجية تحديداً للقتال في سوريا.
وفيما تزداد ظاهرة الإجرام والبلطجة وحوادث السطو والسرقة، فإن المعارضة تتهم العريض بأنه كوزير سابق للداخلية لم يتمكن من ضبط الوضع الأمني، مشكّكة في كونه يملك الآن قدرة أكبر على ضبط الوضع.
وفي موازاة كل ذلك، تقف حركة النهضة الآن أمام تحديد موقف حاسم في مسألة العنف، وخاصة تجاه ما يعرف باسم «رابطات حماية الثورة» التي تتهمها المعارضة بأنها تمارس أعمال تحريض وتهديد ضد المخالفين للتيار الإسلامي في الرأي.