الخرطوم | بعد أيام فقط من تجديده التأكيد لعدم نيته الترشح لولاية جديدة، أصدر الرئيس السوداني عمر البشير، أمس، قراراً بإطلاق سراح كل السجناء السياسيين المعتقلين داخل السجون السودانية بالتزامن مع تسجيل بوادر عودة التقارب بين البشير ومنظّر الحركة الإسلامية السودانية حسن الترابي.

ويبدو أن حكومة الخرطوم جادة هذه المرة في الاتصال بجميع القوى السياسية المعارضة، لعقد حوار قومي شامل يمهد لإحداث حالة من التراضي والتوافق على مستقبل البلاد، ولا سيما أن الدعوة قُدمت من أعلى المستويات في الدولة، الرئيس البشير ونائبه الأول علي عثمان محمد طه. وحتى يكون القول مصحوباً بالفعل، أعلن البشير، في خطاب أمس، أمام الهيئة التشريعية القومية، العفو عن كل المعتقلين السياسيين وإطلاق سراحهم فوراً. ولم يفت البشير تجديد الدعوة للقوى السياسية كافة لإعلان «استعدادها للحوار الجاد والتفاهم على الآليات التي تنظّم الحوار».
ولمزيد من إثبات حسن النية، سيشمل العفو الرئاسي أيضاً ثلاثة من موقّعي وثيقة الفجر الجديد مع المعارضة المسلحة في العاصمة الأوغندية كمبالا بداية العام الحالي، وهم رئيس حزب الوسط الإسلامي يوسف الكودة، وقائد تحالف المعارضة السابق العقيد عبد العزيز خالد، والناشطة السياسية انتصار العقلي، الذين اعتقلتهم السلطات السودانية فور وصولهم إلى مطار الخرطوم عقب عودتهم من كمبالا. غير أن حزب المؤتمر الشعبي المعارض، الذي يتزعمه الترابي، لا يثق في أن تشمل قرارات العفو الرئاسي معتقلي الحزب السياسيين.
وقال القيادي في الحزب، كمال عمر: «لا نثق في أن يشمل قرار إطلاق سراح المعتقلين السياسين منسوبي الحزب المحبوسين داخل المعتقلات الحكومية»، وأضاف: «لا نريد حريات بالقطاعي (المفرق)، نريد حريات سياسية كاملة وحكماً انتقالياً».
ورغم تلك التصريحات التي تدل على أن الجفوة بين إخوان الأمس لا تزال قائمة، إلا أن مراقبين لا يستبعدون حدوث لقاء بين عرّاب الحركة الإسلامية والبشير. وبدا أن لقاءً وشيكاً سيحصل بين الرجلين؛ إذ أوفد البشير اثنين من مساعديه، هما موسى محمد أحمد، وعبد الرحمن المهدي إلى الترابي في فترات متقاربة. لكن قيادياً في حزب المؤتمر الشعبي، فضل حجب اسمه، رهن لقاء البشير والترابي بتهيئة الجو السياسي الملائم. وقال لـ«الأخبار»، منذ الخلاف الذي نشأ بين البشير والترابي: «اتخذ حزب المؤتمر الشعبي قراراً برفض التفاوض مع المؤتمر الوطني إلا في إطار قومي يجمع كل الأحزاب». وشدد على أن اللقاء إذا حصل، فإن ذلك لا يعني أن كل المشاكل التي بينهم قد انتهت، متوقعاً أن يطرح في اللقاء قضايا قومية، ومستبعداً أن يتطرق الحديث بأي شكل من الأشكال إلى وحدة الحركة الإسلامية. القضية الآن، بحسب تعبيره، قضية ما بقي من السودان المأزوم، لا قضية وحدة الإسلاميين، رغم أنه لم ينفِ أن تكون القواعد على مستوى الحزبين في حالة شوق دائم إلى التواصل مع إخوان الأمس.
وفي الوقت الذي تباينت فيه مواقف القوى السياسية السودانية في ما بين التشكك في جدية الحكومة ورفض مبدأ مشاركتها الحوار، يبقى الثابت الوحيد هو وجود حراك سياسي قوي في الداخل السوداني. إلا أن مصدراً موثوقاً رأى أن الحكومة بدعوتها لقوى المعارضة لا ترمي إلى إعمال مبدأ الممارسة الديموقراطية والتبادل السلمي للسلطة، بل تسعى إلى ضمان استمرارية النظام وبقائه إلى أطول أمد. ويرى المصدر، الذي تحدث لـ«الأخبار»، أن بقاء النظام في السلطة مرتبط بإجراء تصالح وتراضٍ مع القوى السياسية المؤثرة في تحالف المعارضة، بالإضافة إلى التوصل إلى حلول سلمية مع حاملي السلاح. ويتضح جلياً أن الحكومة السودانية شرعت فعلياً في تلك الخطوات، التي بدأتها أولاً بتوقيع اتفاقية مع حركة العدل والمساواة المتمردة في دارفور الأسبوع الماضي، بعدما نجحت في وقت سابق في شق الحركة التي كانت حتى وقت قريب الأقوى على الأرض.
كذلك بدا أن النظام قد استغل حالة الضعف وشبه التشرذم التي تعيشها المعارضة الداخلية، بعدما طفت على السطح الخلافات بينها حول أحقية من يقود تحالف المعارضة.
لكن الأخيرة يسود اعتقاد واسع وسط قواها بأن النظام يمرّ الآن بأضعف حالاته، وأن الارتباك الذي كشفته تصريحات البشير الأخيرة بشأن قراره بعدم ترشحه لدورة جديدة، سلط الضوء على مدى ضعف الحزب الحاكم وعدم جاهزيته لتقديم بديل يقود البلاد، وبالتالي خشيته من استغلال قوى المعارضة للأمر والاستيلاء على السلطة. لذلك، لا ترى قوى المعارضة في تعدد دعوات الحوار من قِبل قادة نظام الإنقاذ سوى محاولة لإنقاذ النظام من التداعي الذي يعيشه الآن، فيما وصفت معظم الحركات الشبابية المعارضة تلك الدعوة بالمسرحية الرتيبة الفصول.