تونس | نجحت الحكومة التونسية في تأمين موسم حج هادئ لليهود الى كنيس «الغريبة» في جزيرة جربة جنوب شرق تونس، وهو تقليد يهودي يمارس منذ مئتي عام ولم يتراجع إلا خلال العامين الأخيرين بسبب الظروف الأمنية. وحسب مصادر تونسية رسمية، فقد شارك في موسم الحج الى أقدم كنيس في أفريقيا ثلاثة آلاف يهودي، من بينهم ألف من غير التونسيين. وقد استعدت وزارة الداخلية بشكل خاص لإنجاح الحج اليهودي، الذي انتهى أمس، من دون تسجيل أي حادث أمني، وقد دام ثلاثة أيام. وبدا واضحاً أن الحكومة التونسية تعوّل على موسم الحج اليهودي لطمأنة المستثمرين في قطاع السياحة، إذ إن هذا القطاع يشغّل ١٠% من التونسيين ويمثّل المصدر الأول للعملة الصعبة في البلد. وقد أدى تراجع الإقبال السياحي على تونس أخيراً الى أزمة اقتصادية خانقة.

ويعود الكنيس اليهودي في منطقة الرياض، التي كانت تسمّى «الحارة الصغيرة» في جزيرة جربة، الى سنة ٥٨٦ قبل الميلاد. ويمارس اليهود خلال احتفالات الحج طقوساً، منها شرب عصير التين المعروف بـ«البوخة» وهو من أشهر المشروبات الكحولية التونسية، وكذلك ذبح القرابين والغناء والرقص.
وكان تعرّض الكنيس اليهودي لمحاولة تفجير سنة ٢٠٠٢ قد أدى الى سقوط ٢١ ضحية بين تونسيين وسياح ألمان. وقد تزايدت مخاوف اليهود من الاعتداءات الإرهابية بعد الثورة. وتضاعفت تلك المخاوف بعد صعود الإسلاميين الى الحكم، وخاصة بعدما استقبل شباب من حركة «النهضة» رئيس حكومة غزة اسماعيل هنية بشعارات تدعو الى «قتل اليهود». وكان لهذه الشعارات تأثير سلبي جداً على إقبال السياح الى تونس.
وتحاول حركة «النهضة» التأكيد دائماً على «قدرة الحكومة على ضمان أمن اليهود التونسيين». وكان كبير الأحبار قد صرّح منذ أسابيع بأن «النهضة» هي «أقرب حزب إلى اليهود لأنهم يلتقون معها في المرجعية الدينية». وسرّبت بعض المواقع الإلكترونية منذ أيام أنباء عن «لقاءات جمعت قيادات من النهضة مع مسؤولين كبار من الموساد الإسرائيلي في العاصمة القطرية الدوحة من أجل تأمين اليهود في تونس». لكن حركة «النهضة» نفت في بيان رسمي هذه التسريبات، وأكدت أن اليهود التونسيين لهم ما لبقية التونسيين من حقوق، وعليهم ما عليهم من واجبات.
ومن بين العناصر التي عززت مخاوف اليهود التونسيين على مستقبلهم في تونس، خلوّ المجلس التأسيسي من أي عضو يهودي، إذ إن المرشح الوحيد فشل في الحصول على النسبة المطلوبة لدخول المجلس. وكان كبير أحبار اليهود قد رفض المشروع الذي تم اقتراحه في المجلس الوطني التأسيسي بأن يكون اليهود ممثَّلين في البرلمان بنسبة محددة من دون الخضوع للانتخابات.
ولم يبق من اليهود التونسيين في تونس إلا عدد محدود جداً، إذ بدأت موجة الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، ثم حرب ١٩٦٧، وخاصة بعد ١٤ يناير ٢٠١١. ويكاد ينحصر وجود اليهود اليوم في جربة جورجيس وضاحية حلق الوادي شمالي العاصمة تونس. ولا يتجاوز عددهم المئات من الشيوخ، وخصوصاً بعدما غادر معظم أبنائهم الشباب الى فرنسا التي استقر فيها معظم اليهود التونسيين، وخاصة في حي بلفيل وأغلبهم يعمل في قطاع المطاعم.
فيكتور الطرابلسي، ابن رئيس الجالية اليهودية في تونس بيرز الطرابلسي، رأى في حديث الى شبكة «بي بي سي» أخيراً أن الصحافيين الأجانب يأتون إلى جربة أو تونس «لتصويرنا كأقلية مضطهدة في دولة إسلامية محاطة بالسلفيين من كل جانب، أو أن عددنا تناقص عبر السنين بسبب الاضطهاد أو التمييز». ويتابع الطرابلسي «هذه أفكار مغلوطة تماماً، بل إن بعضهم يحرّفون كلامنا بحثاً عن الإثارة فقط».