ترأس وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم الوفد العربي للقاء خاص مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري، الشهر الماضي، من أجل الاستماع منه الى رؤيته لعملية السلام في الشرق الأوسط، التي تقع في صلبها جهود ادارة باراك أوباما لتحريك المسار الفلسطيني الاسرائيلي المعطل.


هذا اللقاء الخاص جرى تحديداً في واشنطن يوم ٢٩ نيسان المنصرم؛ المفاجأة فيه تمثلت في مشاركة نائب الرئيس الأميركي جون بايدن في جزء منه، ما أشار الى الأهمية التي توليها الادارة الأميركية لهذا اللقاء النقاشي، الذي اتُفق في ختامه على تكرار عقده مرّة كل ستة أسابيع.


بايدن والسلام

افتتح بايدن اللقاء بالتأكيد على الحقائق الجديدة في تفكير أوباما تجاه السلام في الشرق الأوسط. ترى الحقيقة الأولى أن لا سلام من دون مشاركة أميركية، تساعد فيه الجامعة العربية. شرح نائب الرئيس هذه النظرية قائلاً بكثير من القطع: «لا يمكن أن يتحقق السلام في الشرق الأوسط من دون مشاركة الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، لا بد أن يكون هناك دور لجامعة الدول العربية».
الحقيقة الثانية تتعلق بعمق الربط الذي يلحظه أوباما بين الاستقرار العالمي وتحقيق السلام في الشرق الأوسط. قال بايدن إن «عدم الاستقرار في الشرق الأوسط وعدم تحقيق السلام فيه، يمثلان مشكلة داخلية لأميركا وللدول العربية ولإسرائيل». وتابع «أوباما مقتنع بهذه الحقيقة، لذلك قرر أن يذهب الى الشرق الأوسط خلال بدايات هذا العام. والغرض من ذلك إرسال رسالة الى الجميع في تلك المنطقة مفادها أنه جدّي بالتزامه بعملية السلام، وأن أوباما لن يغير موقفه بخصوص ضرورة إقامة تسوية أساسها حل الدولتين، اللتين تتعايشان بسلام جنباً الى جنب».
ولفت نائب الرئيس الأميركي الى أهمية أن كيري، وليس غيره، هو المكلف تطبيق رؤية أوباما حول السلام في المنطقة كما طرحها في شهر ايار ٢٠١١ حول الدولتين، فوصفه بأنه « دبلوماسي على نار» في إشارة الى حيويته. وأكمل كيري في مطالعته أمام الوفد العربي، تلميحاً ما أشار اليه بايدن حول أهمية اعتماد أوباما على خبرته، ما يمثل عنصراً اضافياً لفرصة التسوية، فقال «إنني أتابع عملية السلام في الشرق الأوسط منذ ٣٠ عاماً. قمت خلالها بزيارات عديدة للمنطقة. والفكرة التي وصلت الي أن غياب السلام فيها ساهم في تعميم المشاكل والصراعات بداخلها، وأنه اذا لم نتحرك وتركنا فراغاً في هذه المنطقة، فان هناك جهات سيئة ستملأ الفراغ مكاننا».
لكن كيري عبّر في حديثه للوفد العربي عن معنى يوحي بأن تجربة بناء السلام في الشرق الأوسط مع أوباما ستمتاز بخصائص الأخير الشخصية، وعدّد بعضها. قال إن أوباما لن يتردد بتوجيه إصبع الاتهام على نحو علني الى أي طرف لا يتصرف بجدية تجاه السلام. والخاصية الثانية هي أن أوباما لا يسعى الى احتواء النزاع، بل يريد حله لأن الامتناع عن ذلك قد يؤدي الى وصول مقاليد الأمور الى أيدي الإرهابيين. أما الثالثة، فتتعلق بأن أوباما وضع إطاراً زمنياً لإيجاد تسوية وهو قصير الزمن، وأنه يرى أن بدء المفاوضات يجب الا يتأخر، ويجب عقدها منذ البداية على أعلى مستوى، أي برئاسة محمود عباس وبنيامين نتنياهو وبمشاركة أميركية.

عقبات ومبادئ الحل

استعرض كيري رؤيته لنوعية العقبات العميقة التي تواجه إرساء السلام، فقال:«أعرف أنه ليست هناك قاعدة شعبية كبيرة، لا في اسرائيل ولا في الدول العربية ولا في فلسطين، تؤمن بإمكانية تحقيق السلام الدائم والشامل. لذلك فإن ما علينا فعله الآن هو العمل لاعادة خلق هذه القاعدة، لأن البديل عن السلام هو الحرب». وادّعى أنه «يعرف تماماً ما هي العناصر التي يجب أن تقوم عليها عملية السلام: الجانب الاسرائيلي يجب أن يحصل على ما يطمئنه في الجوانب الأمنية. في المقابل، يجب تلبية مطالب الجانب الفلسطيني على مستوى قضيتي إيجاد حل لموضوع الحدود ومشكلة الاستيطان. وهناك قضية القدس التي يجب تأجيل التطرق اليها الى مرحلة التسويات النهائية نظراً لتعقيداتها».
أما آليات المقاربة العملية لعناوين عناصر عملية السلام، فتتألف، بنظر كيري، من ثلاثة مسارات: أولها المسار الأمني، وهو مخصص للبحث في الهواجس الأمنية التي تعيشها اسرائيل والسعي لإيجاد حلول لها. وكشف أنه في إطار هذا المسار، أرسل أوباما الى اسرائيل هذا الشهر الجنرال جون آلن (القائد الأعلى لقوات حلف شمالي الأطلسي) للبحث مع الإسرائيليين في متطلباتهم الأمنية وتحديداً عناصرها ومن ثم العمل على إيجاد حلول لها.
المسار الثاني اقتصادي، ومن أبرز أهدافه تنشيط الحركة الاقتصادية في المناطق الفلسطينية. وهنا أيضاً كشف كيري أنه بدأ العمل مع شركات أميركية كبيرة مثل «Cisco» و«جنرال إلكتريك» و«كوكاكولا» وأخريات، من أجل الاستثمار في المناطق الفلسطينية وتنفيذ خطة عملية لتطوير الاقتصاد الفلسطيني.
وأدرج كيري ضمن المرتبة الثالثة المسار السياسي، الذي يعني حل المشاكل السياسية، تمهيداً لإنشاء دولتين تعيشان بسلام. وكشف ضمن حديثه عن هذا المسار أن كلا من عباس ونتنياهو يعمل على نحو جيد. ونقل عن أوباما قناعته بأنه يريد لهما أن يعودا الى طاولة المفاوضات قريباً وسريعاً. وقال إنّ الحل الذي سيعتمده لقضية الاستيطان مدخله ايجاد تسوية حول مشكلة الحدود بين الطرفين. وأوضح أن رؤيته لآلية الحل تندرج من حيث ترتيب أهمية عناصرها على النحو التالي: الأمن لاسرائيل هو الأهم، والاقتصاد للفلسطيني هو المهم، والسياسة هي محصلة لهما، ونقطة الارتكاز فيه هي ترسيم حدود الفصل بين الدولتين. أما الاستيطان، فحله مؤجل الى ما بعد الاتفاق على ترسيم «الحدود الفصل».
ويلاحظ أن كيري يكثر من استعمال «حدود الفصل»، ما يحاكي فكرة نتنياهو الجديدة عن أن الصراع ليس على الأرض فقط بل بالأساس على هوية الارض: يهودية أم فقط إسرائيلية. واطلاق مصطلح «الفصل» على الحدود بين الدولتين، يخدم المعنى الذي يريده نتنياهو: أي أرض إسرائيلية لدولة يهودية.
وبالنسبة إلى القدس فهي قضية معقدة، لذا يجب إقصاؤها في مرحلة التقدم على المسارات الثلاثة، عن مائدة التسوية. ويُنقل عن كيري قوله في مناسبة أخرى، إن هذه القضية قد تكون بحاجة إلى حل دولي لها لجعل الرؤية الاسرائيلية بخصوصها، مدعومة بتعاطف دولي، وذلك من خلال نقاشها، ليس على أساس أنها نزاع فلسطيني اسرائيلي فقط، بل على أساس أنها قضية متصلة باستتباعات إكمال حل المسألة اليهودية في أوروبا كما ظهرت خلال الحربين الكونيتين الأولى والثانية. أي طرح قضية القدس من منظور أنها استكمال لموجبات التعويض الدولي لليهود ضمن ملف حل المسألة اليهودية في أوروبا.