الخرطوم | مجرد حجر صغير قذف به صبي عابث في الشارع على سطح المنزل المصمم من الزنك كان كفيلاً باصابة عائلة عبدالعظيم أحمد، التي تقطن العاصمة السودانية الخرطوم بحالة من الذعر والهلع، فما كان من ربة المنزل إلا أن صاحت بصوت عالٍ: «جماعة الحلو ضربونا»، في اشارة الى الجبهة الثورية بقيادة عبد العزيز الحلو.

ويبدو أن الذاكرة الشعبية للسودانيين لا تزال تحتفظ ببعض تفاصيل سابقة لمرحلة ما قبل التوقيع على اتفاقية نيفاشا 2005، حيث كان مصدر الخوف الرئيسي وقتذاك الراحل جون قرنق وقواته من الجيش الشعبي (الذي اصبح جيش جنوب السودان). والآن وبعد قرابة عقد من الزمان على فترة الهدنة المؤقتة التي عاشتها البلاد ها هو الشارع السوداني يعيش حالة من التأهب النفسي لامكانية أن تُضرب الخرطوم في أي وقت من قبل قوات معادية للنظام، حيث تخوض الجبهة الثورية الآن حرباً مفتوحة ضد نظام الخرطوم. وإن حصرتها في المناطق الغربية إلا ان امكانية انتقالها الى وسط البلاد باتت غير مستبعدة، لا سيما مع فشل الجيش السوداني في إعادة سيطرته على المناطق التي احتلتها بالكامل قوات الجبهة الثورية في ولاية شمال كردفان.
وفي ما يبدو أن الجبهة الجنوبية للسودان لن تهدأ هي الأخرى، فالاوضاع في منطقة النيل الأزرق على فوهة بركان، فهي تمثل أساس الخلاف مع الحركة الشعبية قطاع الشمال؛ وأصبح تفجرها مسألة وقت فقط، فيما تتزايد نسب التضخم والارتفاع المتواصل لسعر الدولار أمام الجنيه السوداني.
وسادت الخرطوم طوال اليومين الماضيين حالة من الخوف والترقب الحذر، بعد انتشار شائعات مكثفة بين المواطنين تتحدث عن أن قوات الجبهة الثورية وصلت إلى مدينة أم درمان غرب الخرطوم، بينما أصدرت السفارة الأميركية في الخرطوم بياناً حذرت فيه رعاياها من الذهاب الى المدينة التي سبق أن وصلت اليها وضربتها قوات خليل ابراهيم قبل خمسة اعوام.
وفي الوقت نفسه، تحدثت شائعات أخرى عن انتشار فصائل من الجبهة في شرق البلاد على الحدود الإثيوبية، وزاد من مخاوف المواطنين الذين بدأوا في اتخاذ احتياطات جادة، الحراك العسكري الواضح للعيان، حيث شوهدت العديد من الآليات العسكرية وهي تتحرك في عدد من شوارع العاصمة وأمام المواقع الاستراتيجية، فضلاً عن حركة الطيران العسكري الذي ظل يجوب سماء العاصمة. وظهرت إعلانات وملصقات في الشوارع والجسور، تعلن عن رغبة القوات المسلحة في فتح الباب لإعادة مفصولي الجيش إلى الخدمة.
كما رفعت كل وحدات الجيش السوداني درجة استعدادها تحسباً لأي مفاجآت، برغم خروج والي الخرطوم أول من أمس وبثه تطمينات للمواطنين بأن «الخرطوم آمنة، ولن تستطيع قوات الجبهة الثورية دخولها».
فالتطورات التي يشهدها السودان حالياً تنبئ بأن أزمة البلاد بلغت مداها وأن المعالجات والاجراءات التي تتبعها الحكومة لن تجدي نفعاً وأنها وصلت إلى طريق مسدود لن يُحلّ ببث الرسائل التطمينية للشعب، لا سيما مع التصعيد الأمني الأخير الذي نفذته حركة العدل والمساواة (جماعة جبريل ابراهيم) على الحدود التشادية باغتيال قائد الحركة نفسها محمد بشر الذي وقّع اتفاقية سلام مع الحكومة السودانية، ونائبة اركو سليمان، في خطوة تعتبر الأجرأ من نوعها حيث تمت عملية القتل داخل الاراضي التشادية، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية التشادية.
ويعيب محللون على الحكومة التعامل مع الأزمات بمبدأ المسكنات الوقتية والاعتماد على الحلول الجزئية وتجاهل شمولية الحل، بينما يرى خبراء عسكريون أن القوات المسلحة التي كانت تقاتل على مدى نصف قرن من الزمان ضد الجيش الشعبي (جنوب) قد أُنهكت قواها.
كذلك عزا الخبراء عجز الجيش عن حسم المعارك لصالحه الى تزامن فتح جبهات قتالية عديدة في مناطق متفرقة، حيث تستبيح قوات حركة العدل بعضاً من اجزاء ولايات دارفور الشمالية.
وحسب مصادر مطلعة فان قوات جبريل ابراهيم نائب رئيس قوات الجبهة الثورية تتمركز بصورة أساسية في شمال دارفور، وانها تنصب كمائن للقوات السودانية هناك. وهو ما دعا انجمينا الى استدعاء قواتها على الحدود السودانية لوقف انتهاكات «العدل والمساواة» لحرمة اراضيها، في حين لا يُستبعَد ان تكون الخطوة قد تمت باتفاق مع الخرطوم التى تجمعها وانجمينا اتفاقية تعاون أمني لحماية الحدود المشتركة بين البلدين.
وعقب هجوم الجبهة الثورية على مناطق في شمال كردفان، سارعت حكومة الخرطوم الى توجيه الاتهام لحكومة الجنوب بتقديم الدعم اللوجستي وايوائها لعناصر الجبهة الثورية، وبدا أن هناك هجمة شرسه على حكومة الخرطوم في توقيت واحد من قبل المناوئين لها بمباركة إقليمية.
ورغم استنكار المجتمع الدولي والمنظمات الإقليمية، مثل الاتحاد الافريقي، لعمليات ضرب المدنيين من قبل الجبهة الثورية، الا أن مجلس الأمن الدولي لم يُصدِر إدانة رسمية لتلك الأفعال كما لم يطالب مرتكبوها بالكف عنها.
وكان لافتاً صمت القوى السياسية الداخلية المعارضة تجاه حالة التيه التي تعيشها الحكومة، والتي تجر معها البلاد الى منزلق خطير قد يؤدي في نهاية المطاف الى اندلاع حرب شاملة في كل أنحاء السودان. وهو ما يعرف بسياسة «شد الأطراف» لتضييق الخناق على العاصمة.
ويرى زعيم حزب المؤتمر الشعبي المعارض الدكتور حسن الترابي، أن حل أزمة البلاد الحالية يكمن في انشاء حكومة انتقالية، وهو الأمر الذي ترفضه الحكومة تماماً، ولا ترى امكانية تكوين حكومة جديدة إلا عبر صناديق الاقتراع.