دمشق | في الوقت الذي يتواصل فيه فلتان الأسعار في سوريا وتحكم التجار في تأمين حاجات السوريين، ممارسين كل أنواع التلاعب في ما يتعلق بسعر صرف الدولار، يبدو أن الحكومة السورية قررت العودة بالفعل إلى زمن القطاع العام والانقلاب على التجارة الحرة التي منعتها، خلال الأزمة الحالية، من القدرة على التحكم في الأسواق والحد من ارتفاع الأسعار التي وصلت إلى مستوى جنوني، لم يعد معظم السوريين يستطيعون تحمّله.


الانقلاب على حكم تجار الأزمة للأسواق، الذين ضاعفوا الأسعار واحتكروا المواد بشكل فاضح، جاء من خلال عزم حكومي على الدخول بديلاً من التجار في استيراد المواد الغذائية الأساسية والضرورية اليومية لحياة المواطن السوري، في خطوة رأى فيها المؤيدون لها طريقاً نحو قطع الطريق على جشع التجار وخفض الأسعار والتدخل الإيجابي للدولة، بينما اعتبرها المعارضون بداية لعصر جديد من فساد المسؤولين الحكوميين الذين لا يريدون أن يقاسمهم أحد غنائم هذه المرحلة.
توقيت الخطوة جاء وفق وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية محمد ظافر محبك، عبر صحيفة «الثورة» الحكومية، استباقاً لقدوم شهر رمضان الذي ينتظره عادة التجار لرفع الأسعار إلى مستويات قياسية في استغلال لزيادة معدل استهلاك السوريين للمواد الغذائية، وهو ما يؤكد، بحسب أحد المحللين الاقتصاديين، «النية الجادة» للحكومة في السيطرة على السوق خلال هذا الشهر وما يليه، وتوفير مختلف المواد للمواطنين ضمن الأسعار المقبولة.
الحكومة السورية التي أخفقت خلال العامين الماضيين في جميع الإجراءات التي اتخذتها في ضبط الأسعار والحفاظ على مستوى محدد لسعر صرف الليرة أمام الدولار، ستسحب وفق الخطوة المقررة الصلاحيات بنسبة معينة من بعض رجال الأعمال الذين يستوردون بتمويل من مصرف «سوريا المركزي» وفق سعر الصرف الرسمي، ولا سيما أنهم يقومون بتسعير السلع التي يستوردونها وفق سعر الصرف الموجود في السوق السوداء، الأمر الذي سيؤدي بالنتيجة إلى منع التجار من استغلال الخزينة العامة للدولة من جهة، وشل قدرتهم على التحكم في قوت المواطنين من دون رقيب من جهة ثانية.
وبحسب التاجر عمار، فإن أسعار جميع المواد في السوق على اختلاف أنواعها، إن كانت محلية الصنع أو مستوردة، تشهد ارتفاعاً يومياً، حيث ارتفعت بعض المواد والسلع بنسبة تجاوزت 100 في المئة، مشيراً إلى أنّ سعر المشروبات الغازية والعصائر المحلية الصنع ومن كل الأنواع ارتفع ثمنها على مدى الأشهر الماضية من 20 ليرة إلى أكثر من 60 ليرة سورية، في حين ارتفع سعر ليتر زيت «عباد الشمس» المستورد من 150 ليرة إلى ما يقارب 400 ليرة، ووصل كيلو السكر إلى 100 ليرة والأرز إلى 120 ليرة. وأعاد عمار السبب إلى صعوبة نقل المواد نتيجة الخطورة على الطرق والأحداث الأمنية التي تشهدها بعض المناطق الملتهبة، إضافة إلى «ضرورة» وجود تناسب في أسعار كل المواد التي يرتفع بعضها مع زيادة سعر صرف الدولار.
وارتفعت منذ بداية الأزمة أسعار جميع السلع الاستهلاكية والخضر والفواكه ومواد التنظيف بنسب تراوحت بين 50 في المئة وأكثر من 100 في المئة عما كانت عليه قبل الأزمة، في حين تجاوز الارتفاع نسبة 150 في المئة لأسعار الفواكه المستوردة خاصة، إذ يصل سعر كيلو الموز إلى 200 ليرة بعد أن كان لا يتجاوز 60 ليرة، وهو ما جعل شراء بعض أنواع الفواكه وفق أحد البائعين حكراً على الطبقة المخملية القادرة على الدفع من دون تفكير في السعر.
هذا الواقع الذي تقابله محدودية دخل غالبية المواطنين السوريين الذين أفاقوا على تضخم زاد على ثلاثة أضعاف راتبهم «الثابت»، جعل من أسعار المواد مادة للتندر على مواقع التواصل الاجتماعي التي بات لها بورصتها الخاصة هناك من خلال عدة صفحات أبرزها صفحة «سعر صرف البندورة»، التي تقدم يومياً نشرة أسعار لا تخلو من السخرية على واقع بات فيه السوريون ينتظرون انخفاض سعر نوع واحد من الخضر لاستكمال إعداد «الطبخة اليومية» أو إلغائها.
وبالعودة إلى الأهداف التي أعلنها محبك، والتي تشير إلى أن تولّي الحكومة الاستيراد سيحرم التاجر من فارق الاختلاف في التسعير بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء، ويبعد لهيب أسعار صرف الدولار عن أسعار المستهلكات والمواد التي يحتاج إليها السوريون في الأسواق المحلية، فإنها كانت كالعادة محل تشكيك المعارضين الذين شنوا حملات ضد هذا التوجه الذي يعدّ بحسب أحدهم «مؤشراً جديداً على فشل كل الإجراءات والسياسات الاقتصادية الحكومية ودليلاً على استنفاد رصيد سوريا من العملة الصعبة»، في حين كان هذا الكلام محطّ سخرية أحد المؤيدين، حيث رأى أن المعارضين سينتظرون أعواماً وأعواماً ولن ينفد احتياطي البلاد من القطع الأجنبي، خاصة مع استمرار دعم روسيا وإيران لسوريا في هذا المجال.
ويعبّر الطالب الجامعي، أحمد، عن تخوفه من خروج العديد من التجار «الشرفاء» من السوق بسبب هذه الخطوة، خاصة ممن رفضوا مغادرة البلد واستمروا في استيراد حاجات السوريين، بهدف «تعزيز صمودهم والتصدي للعدوان»، رغم كل الضغوط والأخطار والخسائر المحتملة التي فرضتها الأوضاع الأمنية في مختلف أرجاء سوريا. ورأى أنّ الاقتصاد السوري لم يكن ليتطور لولا إزاحة جثة القطاع العام عن التدخل وإفساح المجال للتجار في التحرك بحرية، في حين يرحب الموظف الحكومي علاء بالخطوة التي ستنعكس إيجاباً فور تطبيقها على الأسعار وتعيد بعضاً من التوازن إلى الحالة الاقتصادية للسوريين، مبيناً أن الحرب التي تعيشها البلاد تتطلب مثل هذا التدخل الحكومي، شرط أن يُبعَد كلّ الفاسدين عن إبرام الصفقات والتأكد من جودة المواد المستوردة ونوعيتها.
ويتساءل اقتصاديون عن كيفية تجاوز الحكومة السورية للحصار والعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من قبل معظم الدول الغربية والعربية وقدرتها على تأمين كامل الاحتياجات، ليوضح أحد الإعلاميين الاقتصاديين المطلعين على حيثيات الخطوة أن الحكومة ستشارك في استيراد النسبة الأكبر من المواد الضرورية التي يحتاج إليها المجتمع والتي تستطيع تأمينها بنحو كامل بعد إيجاد صيغة مناسبة لأفضل آلية لاستيراد هذه المواد، لكنها ستترك للتجار حرية استيراد باقي المواد.
وفي انتظار نتائج تطبيق إجراء الحكومة الجديد لإعادة الاستقرار إلى الأسواق وتوفير المواد بأسعارها النظامية وضبط تجاوزات التسعير وخفضها إلى الحد المعقول، سيبقى معظم السوريين، حتى ذلك الوقت، تحت وطأة لهيب الأسعار التي يحددها سعر صرف الدولار، ويبقى الرهان بعدها على مدى قدرة الدولة على التنفيذ وقلب الطاولة على تجار الأزمة الذين وحّدوا جميع السوريين، رغم ما خلفته الأزمة الحالية من انقسام، بعد أن اتفقوا على استغلال أوجاعهم والمتاجرة بها.