القاهرة ــ الأخبار

لم يسبق أن دعا وزير للدفاع، القائد الأعلى للقوات المسلحة، الشعب إلى أن يمنحه تفويضاً كي يطلق يديه في ملاحقة فريق سياسي وربما إنهائه، عبر النزول الى الميادين، ليكون بمثابة استفتاء على حملة أمنية يعدّها الجيش ضدّ «الإخوان المسلمين». وكأنه بذلك يريد أن يستبق نتائج أي عملية، وأن يحمّل الشعب مسؤولية ما يمكن أن يحصل، وأن يوجه ثانياً رسالة الى الخارج، خصوصاً من يتهمه بالانقلاب العسكري، بأنه يحمل تفويضاً شعبياً بالسلطة المطلقة، وليس أي سلطة، بل هي السلطة العسكرية المطلقة. لم يقل السيسي «تفويضاً» للحكومة، أو الرئاسة أو السلطة الانتقالية، بل للجيش الذي يأتمر بإشارة منه. يريد أن يجمع إرادتين، الشعب والجيش، رمز الديموقراطية ورمز الاستبداد، في إرادة واحدة.
«الشعب» الذي دعاه السيسي للنزول الى الميادين، سيلاقيه «شعب مصري آخر»، في الساعة نفسها وعلى مسافة ليست بعيدة منه. فهل هي دعوة إلى اقتتال أهلي من قبل الحاكم العسكري؟ أم أن عنف «الإخوان» بالفعل قد بلغ حداً يستدعي قبضة حديدية؟ لا فرق. المؤكّد أنّ المحروسة ستمرّ خلال الساعات المقبلة في منعطف خطير، وأنفاس العالم تحبس من جديد، لأن ما سيجتازه الشعب المصري سيؤثر على المنطقة برمتها.
ويبقى السؤال الأساسي حول الخطة العسكرية للقائد السيسي. فهل تعني فض اعتصامات «الإخوان» في ميادين رابعة العدوية والنهضة بالقوة، وملاحقة كوادر الإخوان وزجهم في السجن؟ هل يعدّ لمخطط شبيه بسيناريو ١٩٥٢؟ وما ستكون كلفة هذا المخطط إن صح؟ «الإخوان» لن يستسلموا بسهولة، وهذا يعني أن الدماء ستسيل، وربما هذا هو السبب الذي دفع السيسي إلى طلب التفويض الشعبي.
في كلمة غير مكتوبة ألقاها في مناسبة تخريج دفعتين جديدتين من الكلية البحرية والدفاع الجوي، جدد السيسي شرح موقف الجيش من الأزمة السياسية، وكيف حاول مرات ثلاث مع الرئيس المعزول لإخراج البلد من أزمته. المرة الأخيرة كانت قبل أن يلقي محمد مرسي خطابه الشهير لأكثر من ثلاث ساعات في منتصف الليل. كشف أنه التقاه قبل الخطاب، واتفق معه على الخطوط العريضة لما يمكن أن يتضمنه هذا الخطاب ليكون توافقياً وتصالحياً، إذا به يفاجأ بخطاب آخر، فوضع يده على خده وهو ينصت إلى «انقلاب مرسي»، وهو ما رصدته بالفعل الكاميرات حين كان مرسي يصرخ والحضور يصفق له.
قال السيسي «جلست مع الرئيس السابق للحديث معاً قبل كلمته في قاعة المؤتمرات، من أجل المصالحة، وذلك من الساعة 11 إلى الساعة 1، ووعدني الرئيس بأن الخطاب سيكون شاملاً للمصالحة، ولكن تعجبت من الخطاب، وتساءلت هل هذا الخطاب الذي تم الاتفاق عليه؟ بل كان خناقة مع كل الناس».
كذلك أعاد السيسي توضيح كل المحاولات التي قام بها من أجل إقناع مرسي بتغيير سياسته وحثه على المصالحة الوطنية، وكيف كان يعده ثم يخلف. وتحدث عن المبادرات التي قدمها الجيش ودعواته الى كل القوى السياسية للتصالح والحوار. وكشف عن عرض قدمه لمرسي بالاستفتاء على حكمه لكنه رفض.
وشدد السيسي على وطنية الجيش المصري وقوميته، وأن من يراهن على انقسامه واهم، وأنه لا يأتمر سوى بشعبه، «الجيش المصري جيش محترم وأسد، والأسد لا يأكل أولاده»، هاتفاً «والله العظيم والله العظيم والله العظيم الجيش المصري على قلب رجل واحد. فالجيش المصري ليس مثل أي جيش آخر»، رافضاً ما يقال عن انقلاب عسكري قام به، بتأكيده أنه كان يطلع «الرئيس السابق على كل بيانات الجيش قبل صدورها، ولم نخدع الرئيس، حيث أمهلنا الجميع أسبوعاً من أجل الخروج من المشهد الراهن حينها، وكنا نبحث عن مخرج للأزمة، وأن الـ48 ساعة التي منحت في الأحداث الأخيرة لم تكن مفاجأة لأحد».
وشدد أكثر من مرة على أنه «يخاف ربنا»، وأن «من يخاف ربو عمرو ما ينكسر»، وكأنه يريد بذلك أن يُسمع «الإخوان» المسلمين، من يتهمهم أخصامهم بالمتاجرة بالدين.
وقبل أن يطلب من الشعب أن يمنحه «تفويضاً وأمراً بالقضاء على العنف والإرهاب لو حصل»، تحدث السيسي عن مؤامرة تتورط فيها دول لم يسمها. واتهم «الإخوان» بأنهم يريدون تدمير البلد من أجل العودة الى السلطة، قائلاً لمرسي «أنت مستعد أن تدمر جيشك أو أن يأتي معك، إن هذا الأمر في غاية الخطورة»، وكرر أنه «لن يكون هناك تراجع عن خارطة الطريق لحظة واحدة». في المقابل، أكدت الرئاسة المصرية أن دعوة السيسي تهدف الى «تأكيد معنى أن الدولة ستقوم بدورها تجاه مواطنيها». وقال مصطفى حجازي، المستشار الاستراتيجي للرئيس، إن «الدولة لا تحتاج إلى تفويض جديد من الشعب لأداء واجبها تجاه مواطنيها».
ودعت حملة «تمرد» «جموع الشعب المصري العظيم للاحتشاد في ميادين مصر الجمعة القادم»، والمطالبة «بمحاكمة الرئيس المعزول ودعم القوات المسلحة المصرية في حربها القادمة ضد الإرهاب، مع تطهير أرض مصر من عملاء الوطن»، مضيفة «سنحارب الإرهاب شعباً وجيشاً».
كذلك ناشد رئيس حزب الوفد، السيد البدوي، المصريين أن يستجيبوا لنداء الفريق أول عبد الفتاح السيسى لإنقاذ البلاد وتكرار أسطورة ٣٠ يونيو. وقال في بيان «يجب أن نؤكد للعالم أجمع أن من يظن أن الإرهاب والقتل وترويع الآمنين من الممكن أن تهزم مصر أو تكسر إرادة شعبها فهو إما أحمق واهم أو يجهل طبيعة هذا الشعب».
القيادي في جبهة الإنقاذ الوطني سامح عاشور رأى أن خطاب وزير الدفاع يؤكد أن الجيش يلتحف بالشعب وبإرادة الأمة، وأن الأمة تلتحف بقواتها المسلحة، معلناً تأييده لدعوة التظاهر. كذلك صدرت مواقف مماثلة عن الأحزاب السياسية. بدوره، رفض حزب النور دعوة السيسي، معتبراً في بيان أن «الدولة ليست في حاجة إلى تفويض بأداء مهمتها في ذلك طالما كانت تقوم بذلك في حدود القانون... ويؤكد الحزب أن خرق الأفراد للقانون مهما كان يمكن أن تعالجه الدولة، أما خرق أجهزة الدولة للقانون فيهدد بزوال الدولة».
غير أن عمرو موسى، المرشح الرئاسي السابق، انتقد مطالبة السيسي بالنزول إلى كل ميادين مصر، قائلاً: «أرى أن التفويض الذي طلبه القائد العام للقوات المسلحة في خطابه يجب أن يأتي أساساً من مجلس الوزراء، حبذا لو كان مجتمعاً برئاسة رئيس الدولة، وأن يلي ذلك مطالبة الشعب بالتعبير عن تأييده».
وأعلن في الوقت نفسه تأييده قيام القوات المسلحة ووزارة الداخلية باتخاذ الإجراءات اللازمة ضد العنف والإرهاب اللذين يضربان البلاد، بدءاً من سيناء حتى قلب الدلتا وباقي أرجاء البلاد، على ألا تكون هناك أي إجراءات استثنائية تمس حق التظاهر والاعتصام السلميين أو الحريات العامة التي يكفلها الدستور جراء تحرك القوات المسلحة والداخلية.
إلى ذلك، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية أن الرئيس الأميركي باراك أوباما قرر تأجيل تسليم مقاتلات «إف 16» لمصر، وأنه اتخذ القرار بموافقة فريق الأمن القومي بالإجماع، فيما أكد البنتاغون أن مناورات «النجم الساطع» مع مصر ستجرى في موعدها.