مسقط | الدخول الى عُمان كالدخول الى كتاب تاريخ قديم، يروي حكايات تعود الى آلاف السنين قبل الميلاد، وحضارات قديمة مرّت من هنا. واقعها وفعلها أكبر من ضجيجها. تتحرك بصمت وهدوء. للمراقب البعيد تبدو دولة خليجية هادئة ومسالمة لا تستدعي الفضول للبحث عن خباياها، الا حين تلحظ بصماتها الواضحة في احتواء الأزمات وتقريب المتخاصمين، كما حصل أخيراً بين الغريمين اللدودين، ايران والولايات المتحدة.

الاقتراب منها يجلب المفاجآت ويبعث على الذهول. من الناحيتين الداخلية والخارجية. في الجغرافيا، هي دولة تتوسط اليمن والسعودية والإمارات وبحر العرب الذي يطل على المحيط الهندي، وبحر عمان في الشمال الشرقي، الذي يصلها بإيران. موقعها الاستراتيجي جعل منها مقرّاً للتجارة العالمية على مرّ التاريخ؛ فاختلطت عند شعبها ثقافات وحضارات متنوعة، وربما هذا ما جلب لطباعهم التسامح وقبول الآخر. طبيعتها ساحرة. تمتد على مساحتها المترامية الأطراف سواحل خلابة، حيث يتجاوز طولها الـ1700 كيلومتر، وجبال صخرية، تنطق بحكايات ما قبل الإسلام والمسيحية، وتجد فيها آثار كائنات أخذت قسطها من الحياة وانقرضت.
الصفحة الأولى من كتابها ترميك في أحضان هندسة معمارية قديمة، ذات سقوف عالية تحفر فيها زخرفات تحمل كلٌّ منها معنى، قبل أن يلقاك عماني بالترحاب بزيّه التقليدي، متخصراً خنجره، وتعتلي رأسه «الكمة» العُمانية. يلقاك بهدوء وابتسامة وانصات. الخنجر هنا لا يرمز الى نية الاستعمال، كما يقول مسؤول عُماني، وانما العكس؛ فالرجل الحق لا يلجأ الى خنجره. عُمان قبل ١٠ سنين ليست عُمان اليوم، وبالتأكيد لن تكون هي نفسها بعد عشر سنين من الآن. تتقبل التغيير ولكن بخطى سلحفاتية بطيئة، رغم أن مجتمعها شاب. يحكمها سلطان مطلق، هو أطول معمّر لجهة مدّة الحكم بين نظرائه العرب. غير أن رصيده في تنمية البلاد وحنكته في ادارتها على المستوى الخارجي، حميا سلطانه وحصّنا بلاده من أي تغييرات جذرية. نجح في تحييدها عن الصراعات الإقليمية وتقديمها كوسيط خير، فكان كلُّ الأعداء أصدقاء لها.

بلد الجامع الواحد

يصفونها ببلاد الجامع الواحد. في السلطنة مسلمون من إباضيين وسُنة وشيعة، ومسيحيين وبوذيين وهندوس. ولغات متعدّدة، عربية وأردو وسواحلية. خليط متنوع من الثقافات والديانات. هناك الجوامع والكنائس والمعابد البوذية. يسمونها بلاد الجامع الواحد، حيث يؤمّ الإمام الشيعي الصلاة أمام السني والإباضي والعكس، دون أن يدري المصلّون مذاهب بعضهم البعض. روايات يتناقلها العمانيون عن زوار شيعة أو سُنّة صلوا في جوامع وراء إمام لا يعرفون ملّته. قد يعود ذلك بشكل كبير الى طبيعة المذهب الإباضي، وهو مذهب منفصل عن السنة والشيعة وتعود تسميته الى عبد الله بن إباض التميمي، وهو أقدم المذاهب الإسلامية حيث ظهر في القرن الأول هجري في البصرة تحديداً ويوصف باعتداله. مؤسسه الحقيقي هو جابر بن زيد الأزدي. يشكّل الإباضيون ما نسبته 75 في المئة من السكان في عُمان، وينتشر المذهب أيضاً في ليبيا والجزائر وتونس وبعض مناطق أفريقيا.
مفارقة غريبة يرويها الأمين العام للجنة الوطنية لحقوق الإنسان، راشد بن حمد البلوشي. يقول إنه في الأسرة الواحدة يمكن أن تجد سنياً وشيعياً وإباضياً. في جولة «الأخبار»، كان هناك لقاءات مع العديد من المسؤولين ووجهاء المجتمع، ينتمون الى مختلف المذاهب والقبائل، غير أنه لم يُلحظ أي اختلاف بينهم.
القبيلة تشكّل هيكل المجتمع العماني، غير أنّ عصبيتها تتقلّص مع الوقت. يقول رئيس مجلس الدولة دكتور يحيى بن محفوظ المنذري، إن القبيلة كان لها تأثير كبير قبل عشر سنين، حين كان يجري الترشيح على أساس قبلي، غير أن الأمر تبدل مع جيل اليوم، فأصبح هناك وعي أكثر ورفضاً لعصبية القبيلة من الشباب العماني، الذي يشكّل أكثر من نصف عدد السكان.


العُماني الحذر

يصف وزير السياحة أحمد بن ناصر بن حمد المحرزي العُماني، بأنه متسامح وخلوق. يقول إن العماني لا يستخدم الألفاظ النابية، فهذا يناقض ثقافته. يحترم مواعيده. وضع لنفسه خطوطاً حمراء اعتادها أباً عن جد. صعوبة بالغة تلقاها لاستثارة العماني ودفعه للحديث في السياسة، ولكن ان اعطيته الأمان قد يفاجئك بمواقفه ومتابعته الدقيقة لأزماتنا المستفحلة. يحرصون على عدم الحديث في السياسة أمام ضيوفهم، يُقال عنهم «رسميين»، غير أن هناك مكاناً يجمعهم في المساء لتبادل الأحاديث السياسية والعامة، واستعراض مواقفهم من الملفات الداخلية والخارجية على حدّ سواء، وهذا المكان يسمى «السُبلة»، وهي الديوانية في المسجد.


خصوصية الثقافة أولوية

عُمان بلد يملك طبيعة خلابة، على مساحته الممتدة من المحيط الى الجبال، التي تتميز بأنها صخرية وتمتد نحو الداخل. تحتضن مناطق سياحية عذراء، كصلالة الساحرة التي تقع على الساحل الجنوبي للسلطنة، وتعدّ عاصمتها السياحية، تشتهر بالبخور واللبان وتكثر فيها أشجار النارجيل الاستوائية. ربوع صلالة تحمل شواهد وآثاراً على تاريخ وحضارة قديمين تعودان الى ما قبل الاسلام والمسيحية.
مع ذلك، فإن الاهتمام بالسياحة العمانية حديث النشأة. يقول وزير السياحة إنّه منذ عام 2004، وُضعت السياحة في عمان محل اختبار، وتوصلوا الى نتيجة مفادها أنّ البلاد يمكن أن تكون بلداً سياحياً مهماً. وجرى بناء عليه وضع استراتيجة بعيدة المدى تصل الى 30 عاماً، في إطار مخطط اقتصادي شامل يمتد لسنة 2040. سيُعمل خلالها على بناء البنى التحتية لعُمان من فنادق ومنتجعات كي تكون قادرة على استقبال السياح؛ فعمان تفتقر الى المشاريع السياحية وتعاني نقصاً هائلاً في الفنادق، حيث تعدّ أسعار الفنادق فيها الأغلى في منطقة الشرق الأوسط (لا يتجاوز عدد الغرف في الفنادق الـ ١٢٥٠٠ غرفة فقط).
غير أن الأولوية القصوى ستكون للحفاظ على الخصوصية العمانية، لأنها أحد أهم أسباب عدم انفتاح السلطنة على السياحة رغم امتلاكها مختلف المقومات الطبيعية. إنها طبيعة المجتمع العُماني المحافظ، الذي يرفض خصوصاً السياحة الترفيهية، ويظن أن السياحة مرادفة للمجون والخمر، كما يشرح وزير السياحة.
لذلك تحرص وزارة السياحة على عدم وقوع احتكاك بين العُماني والسائح. ويؤكد وزير السياحة أن التركيز سيكون على سياحة المغامرات الجغرافية، وهي تناسب المناطق الطبيعية العذراء التي تحتضنها السلطنة. ويلفت الى أن السياسة السياحية تستهدف النوعية وليس العدد، وأنه لن يكون هناك انفتاح على الاستثمارات السياحية بشكل حرّ، لأنّه حينها سيتحكم رأس المال بطبيعة عُمان ويعيث فيها خراباً.
رغم افتقار البلاد للمرافق اللازمة لاستقبال السياح، هناك من يدفعهم حب المغامرة الى زيارة السلطنة. يقول وزير السياحة إن أكثر السياح هم من الأجانب غير العرب والخليجيين، حيث يأتي الألمان في المرتبة الأولى يليهم البريطانيون والدول الاسكندنافية والفرنسيون ثم الأميركيون. هؤلاء يقصدون البلاد لاستكشاف المناطق الطبيعية العذراء وممارسة رياضات ونشاطات كتسلق الجبال.
للسياسي اللبناني سعد الحريري موطئ قدم في البلاد، حيث يقيم مشروعاً استثمارياً يتمثل في سرايا بندر روضة، وهو عبارة عن مجمع سياحي متكامل، تعثّر بناؤه بعد اكتشاف آثار تعود الى ما قبل الإسلام أثناء الحفريات. هو مشروع مشترك بين الحكومة العمانية والحريري مناصفة.
هناك في كهف الجن، تدرب النمساوي فيليكس باومغارتنر على قفزته عبر المنطاد، والتي خرقت سرعة الصوت من الفضاء، وتسمّر مئات الملايين حول العالم على شاشات التلفزة لمشاهدة القفزة التاريخية له. لهذا الكهف فتحة في فوهة الجبل وهو يتسع لنحو ٥ طائرات من نوع «إير باص».


المرأة العمانية

حين يتحدث العُماني عن المرأة في مجتمعه تعلو ثغره ابتسامة ويرسل بريقاً من عينيه. لقاء الشيماء بنت علي الرئيسية يشرح بوضوح سرّ هذه الابتسامة. امرأة في بداية الثلاثينيات، هي أمُّ لثلاث بنات وسيدة أعمال وعضو مجلس بلدي، حيث نجحت في الحصول على أعلى نسبة من الأصوات في الانتخابات البلدية الأخيرة عن محافظة مسقط. اعتمدت على وسائل التواصل الاجتماعي لتحشيد الناخبين، وقامت كذلك بحملة طرق الأبواب، قد تكون شبيهة لما فعله الرئيس الأميركي باراك أوباما في حملتي انتخابه للرئاسة. امرأة يبدأ نهارها عند صلاة الفجر، حيث تعد بناتها للمدرسة قبل أن تتوجه الى عملها في المجلس البلدي ثم تخرج في جولات الى القرى للوقوف على حاجات السكان، لتعود بعدها الى بناتها وتعدّ لهم الغذاء وتتابع دراستهم قبل أن تخرج مجدداً الى اجتماعات ليلية قد لا تنتهي قبل منتصف الليل. مع ذلك تجدها امرأة شابة وساحرة تنضح بالنشاط والحياة. ولا تنسى ذكر زوجها الذي شجعها وساندها في كل محطة.
يؤكد الجنسان في عمان أن المرأة هي من حاربت المرأة. وأن النظام اعطاها الكثير من الامتيازات لتسهيل وصولها الى الحكم وتفعيل دورها في المجتمع، غير أن المرأة العمانية المحافظة هي التي رفضت انتخاب نظيرتها. وفي هذه الحالة تدخل السلطان لتعزيز مكانة المرأة في الهيئات المعينة، كمجلس الدولة على سبيل المثال. وحين عُرض تحديد كوتا نسائية، النسوة رفضن ذلك، لأنهن أردن أن يستحققن المساواة بجدارتهن.
في الحكومة العمانية امرأتان، وزيرتا التربية والتعليم العالي. ونلحظ أن المرأة موجودة أيضاً في القوات المسلحة، حيث تحتل نسبة لا بأس بها في شرطة عمان. زيّها بطبيعة الحال، هو الزيّ العماني التقليدي. وفي جامعة قابوس، تشكل النساء نصف هيئات التدريس. يتحدث رئيس مجلس الدولة عن نساء بلاده بهدوء يشبه عُمان والابتسامة لا تفارق محياه.
يدلّ العمانيون على مقولة للسلطان تدعم المرأة، حيث يصف المجتمع العماني بأنه مثل الطائر بجناحين، الرجل جناح والمرأة جناح، ومن دون أحدهما لا يستطيع التحليق. الدعم الحكومي واضح للمرأة وحقوقها. يقول العمانيون إن المرأة مدللة لديهم، لذلك لا ترى حوادث عنف أسري ضدّها، هذا ما تقوله رئيسة جمعية المرأة العمانية في السيب ماجدة المعمري، وهي عضو في اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان أيضاً، مشيرة الى أنه لم يسبق أن سُجل بلاغ حول وقوع حوادث عنف، رغم وجود خطوط ساخنة لهذا الغرض. وتؤكد أنهن رفضن مرة عقد اجتماع دولي حول العنف ضدّ المرأة في عمان لأنها ظاهرة غريبة عنهم.
تأكيد ماجدة عدم وقوع حوادث عنف والعناية الخاصة التي تُحيط المرأة العمانية، لا يعني البتة عدم حصول مثل هذه الحوادث؛ فخصوصية المجتمع والبيئة المحافظة تضعان هذا النوع من المشاكل في خانة الحميمية، حيث يجري حلّها ضمن الأسرة الواحدة وبهدوء وصمت كما محيطهم.




سلطان مطلق



الحكم في عمان سلطاني حيث يمسك السلطان قابوس بالسلطة المطلقة. ليس للسلطان وارث؛ فهو مُطلّق وليس له اولاد. لذلك تطرح مسألة وراثة الحكم موضع جدل. غير أن الدستور العماني حسم هذه المسألة بموجب المادتين الخامسة والسادسة، اللتين تنصان على أنه في حال خلو منصب السلطان يجتمع مجلس العائلة لاختيار الخلف من عائلة البوسعيدي الحاكمة منذ العام 1744، ولا يكون بالضرورة ابن السلطان البكر، وان تعذر التوافق على شخص السلطان، تُفتح وصية الراحل، الذي يحدّد فيها خليفته، وما على الرعية حينها الا المباركة.
تقول المادة الخامسة إن «نظـام الحكم سلطاني وراثي في الذكور من ذرية السيد تركي بن سعيد بن سلطان، ويشترط في من يختار لولاية الحكم من بينهم أن يكون مسلما رشيدا عاقلا وابنا شرعيا لأبوين عمانيين مسلمين». فيما تقول المادة السادسة «يقوم مجلس العائلة الحاكمة، خلال ثلاثة أيام من شغور منصب السلطان، بتحديد من تنتقل إليه ولاية الحكم. فإذا لم يتفق مجلس العائلة الحاكمة على اختيار سلطان للبلاد قام مجلس الدفاع بتثبيت من أشار به السلطان في رسالته الى مجلس العائلة».



تنمية متوازية

يتحدث وزير الإعلام عن سياسة التنمية المتوازية التي اعتمدها السلطان، فيقول إن الأخير قام بتوحيد الرؤى بين العمانيين حين جاء الى الحكم. منهج ترسخ من خلال جولاته الداخلية السنوية، التي جعلت العلاقة بين الحاكم والمحكوم اشبه بحكم البرلمان المفتوح. لم تنحصر التنمية في مسقط، العاصمة. بل كانت تنمية متوازية في محتلف أرجاء السلطنة المترامية الأطراف، التي تقارب مساحته الـ 309.500 ألف كيلومتر مربع، يتوزع فيها سكان لا يتجاوزون الـ 3 ملايين بينهم حوالي ميلوني عُماني.
حرصت السياسة التنموية الشاملة على تأمين مقومات العيش للعماني حيث وُجد. مما يسمح له بالبقاء في منطقته مهما بعُدت ونأت. في عام ١٩٧٠، كان هناك ثلاث مدارس للذكور فقط، أما اليوم فيناهز الخريجون من الجامعات الـ ٦٥ ألفاً. شُيدت في كل منطقة مدرسة وبنى تحتية، بحيث لا يضطر العماني الى مغادرة قريته لتحصيل دراسته أو تأمين حياة أكثر رفاهية ومدنية. في منطقة حدودية مع اليمن، وتحديداً في بلقوت، يتجاوز عدد الأساتذة عدد التلاميذ.
يُلحظ أن كلفة التنمية عالية جداً في السلطنة، نظراً لتنامي أطرافها وطبيعتها وتضاريسها الجبلية القاسية والمعقدة، مما يجعل من كلفة بناء شبكة البنية التحتية أضعافاً مضاعفة عن جاري العادة. مع ذلك، كان هناك حرص على ايصال الخدمات الى جميع المناطق.