باريس | يعدّ موضوع التدخل الأجنبي من القضايا الأكثر حساسية بالنسبة إلى مختلف أطراف المعارضة السورية. الجميع تقريباً يحرص على مراجعة تصريحاته مكتوبةً، وعلى نحو أخص ما يتعلق منها بمسألة الموقف من التدخل الأجنبي، خشية أن يُساء تأويل الكلام. ويشدّد معظم من تستطلع موقفه إزاء الموضوع على رفض «السيناريو الليبي»، أي التدخل العسكري المباشر في سوريا، لكن المواقف تتباين بخصوص الأشكال الأخرى للتدخل، تلك التي تحمل مسميات شتى كـ «المناطق العازلة» و«الممرات الإنسانية» و«مناطق الحظر الجوي»، كما تختلف المواقف بخصوص مساعي الجامعة العربية، وبشأن ما إذا كان الهدف منها توفير بديل عربي لحماية سوريا من التدخل الأجنبي، أم أنها تمهّد لـ «شرعنة التدخل»، على غرار ما حدث في ليبيا.


يعود رئيس «هيئة التنسيق الوطنية» في المهجر هيثم منّاع إلى «اليوم الأول للانتفاضة، حيث استُعمل الرصاص الحي فوراً، لأن قوى الأمن السورية لا تعرف الرصاص المطاطي، أو استعمال الهراوات لتفريق المتظاهرين. لذا، نستطيع القول إن معجزة سورية قد حدثت، وكانت بمثابة تكذيب لقانون نيوتن القائل إن كل فعل يولّد ردّ فعل مساوياً له في القوة، ومعاكساً في الاتجاه». ورغم ذلك، يذكّر مناع كيف أن الحراك الشعبي حافظ على سلميته ورفضه لأي اصطفاف طائفي أو تدخل أجنبي. ويكشف أنه «منذ اليوم التاسع للانتفاضة، بادرتُ شخصياً بطرح اللاءات الثلاث التي سرعان ما أصبحت المقوّمات الأساسية للثورة: لا للسلاح، لا للاقتتال الطائفي، لا للتدخل الأجنبي». ويرى مناع أنه كان هناك «تأييد واسع لهذه اللاءات، وتبنتها أهم الأحزاب السياسية في الداخل والخارج»، مشيراً إلى أن «الصرخات المنادية بالتدخل الخارجي لم تخرج إلى العلن إلا في الشهر الخامس للثورة، وذلك بعد قسوة الهجوم الذي حدث في 31 تموز، حين اقتحم الجيش ثلاث مدن، هي البوكمال وحماه ودير الزور في يوم واحد». ويوضح أنه بعد هذه الأحداث، «ظهر توجّه مفاده أنّ علينا إعادة النظر في اللاءات الثلاث للثورة، على قاعدة أنها لا يمكن أن تستمر إلا إذا تسلّحت أو طلبت المعونة الخارجية». يوافق ميشال كيلو على أن تزايد القمع والضغط الأمني يدفع ببعض مكوّنات الحراك الشعبي داخل سوريا إلى المطالبة بالمعونة الدولية، لكنه يحذر من أن ذلك «لا يعني تأييد التدخل على الطريقة الليبية». ويقول في هذا الصدد إن «الضغط الأمني والعسكري المتزايد على الناس يهدف لإيصالهم إلى الاستسلام بدون قيد أو شرط، أو الدخول في مرحلة من المقاومة المنفلتة التي لا ينظُمها أي خط سياسي عقلاني لإخراج الأمور عن نطاق الحراك السلمي المدني». ويرى كيلو أنه «نتيجة لهذا الضغط الأمني، هناك للأسف قطاعات متزايدة من السوريين باتت تقول: نحن نموت يومياً ولا أحد يلتفت إلينا، والنظام لا يريد أن يُقلِع عن القتل، وبالتالي لم يبق أمامنا سوى طلب التدخل الخارجي أو الحماية الدولية». يعترف كيلو بكل ذلك، قبل أن يعود ليشدد على أن «هذا لا يعني أنّ الحراك الداخلي السوري يؤيد تكرار السابقة الليبية، ولا أعتقد أن الشعب سيقبل تدخلاً عسكرياً».
من جهته، يلفت نائب رئيس لجنة العلاقات الدولية في «المجلس الوطني»، منذر ماخوس، إلى أنّ التدخل الأجنبي وفق السيناريو الليبي، «مرفوض تماماً داخل المجلس»، حتى إنه «غير مطروح للنقاش على الإطلاق»، لكن ماخوس يوضح أنّه «حيال استمرار القمع الوحشي للمتظاهرين، هناك من يتحدث عن إقامة ممرّات إنسانية تجاوباً مع ما طرحه دبلوماسيون فرنسيون وأتراك، وهذه الصيغة في نظرنا قابلة للنقاش، ولا نرى مانعاً في أن تتولى الجامعة العربية أو المجموعة الدولية توفير ممرّات أو مناطق آمنة، يمكن أن يلجأ اليها النازحون من المدنيين، أو من المنشقين عن الجيش، حتى لا يتعرّضوا للتصفية من قبل النظام».
يعترض هيثم منّاع بشدة على هذه الأطروحات، مشيراً إلى أن مجرد الحديث عن «ممرات إنسانية» أو «مناطق آمنة لحماية المدنيين» ليس سوى «تسويغ للتدخل العسكري الأجنبي تحت غطاء إنساني». ويقول بهذا الخصوص «أنا ممن يتخوّفون كثيراً من مثل هذه الطروحات، لأن من ينادون بها يحاولون، بطريقة أو بأخرى، أن يتقمّصوا التجربة الجلبية»، في إشارة إلى السياسي العراقي أحمد الجلبي. ويتهم مناع من ينادي بإقامة مناطق عازلة أو ممرات إنسانية بـ «السعي إلى توفير ظروف دولية وإقليمية مؤاتية لتدخل خارجي على النمط العراقي أو الليبي، وهؤلاء يحرصون على إقناع الناس بأنهم المعبر الوحيد لتدخل من هذا النوع، لأن الإدارة الأميركية والإدارات الغربية لا يمكن أن تثق بأي جماعة أخرى غيرهم». وعن اختلاف الخطاب المتعلق بهذا الموضوع بين أركان المجلس الوطني نفسه مثلاً، يجيب مناع «ليس بالضرورة أن يجاهر جميع دعاة أو مؤيدي التدخل الأجنبي بذلك، فهناك من يتحدث عن هذا الأمر صراحةً، وآخر يلجأ إلى المواربة، فيتحدث عن التجربة الأوكرانية، أو عن هذا الكتاب أو ذاك في المقاومة المدنية». ويسوق مناع أمثلة كالادعاء بأن ما يحدث من تسليح للحراك الشعبي «أمر ضروري لحماية الناس من القمع، أو الترويج بأن مسؤولية التسليح تقع على النظام وحده». أما موقف «هيئة التنسيق»، فيختصره مناع بأن «كل من يرفض المشاركة في توعية الشباب إلى ضرورة تجنب التسليح، يتحمل قدراً من المسؤولية في العواقب الكارثية التي ستترتّب على ذلك».
التجاذب بين أطراف المعارضة السورية بخصوص مشاريع التدخل الأجنبي ينطبق أيضاً على مساعي الجامعة العربية، التي يرى فيها البعض «حصناً لحماية سوريا من التدخل الأجنبي»، بينما يتخوّف آخرون من «تكرار السابقة الليبية»، وهي التي أدت فيها الجامعة العربية دور «شاهد الزور»، من خلال منح تغطية عربية صورية لحملة الحلف الأطلسي، وبالتالي الإسهام في «شرعنة التدخل الدولي».
في المقابل، يقول رئيس حزب «الاتحاد الديموقراطي الكردي السوري»، صالح مسلم، «نحن على قناعة بأن القبول بأي شكل من أشكال التدخل الأجنبي يعني ضياع سوريا الوطن. ومن هذا المنطلق، حرصنا على إثارة هذه المسألة خلال لقاءاتنا ومشاوراتنا مع ممثلي المجلس الوطني، وجرى التوافق بيننا وبينهم على رفض التدخل الأجنبي على نحو قاطع، وإفساح المجال للمبادرات العربية ودعمها، على اعتبار أن التدخل العربي لا يقع في خانة التدخل الأجنبي».
أما ميشال كيلو، فيكشف أنه وزملاءه من مثقفين ومعارضين سوريين مستقلين، اقترحوا على الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي في القاهرة، أن تكون الجامعة هي الجهة التي تتولى حصرياً العمل على حل الأزمة السورية، بالاتفاق مع المعارضة والنظام، بشرط أن تلتزم الجامعة العربية بمنع تكرار السابقة الليبية تحت أي شكل من الأشكال، وألا تعطي أي ضوء أخضر عربي لمجلس الأمن أو للحلف الأطلسي مثلما حدث في ليبيا.
وهنا يعرب كيلو عن تفاؤله بأنه «إذا صدقت نوايا النظام السوري، وقبِل أن تؤدي الجامعة العربية الدور المطلوب منها في حل الأزمة، فإن المبادرة العربية يمكن أن تمثّل بديلاً من شأنه أن يقطع الطريق أمام مشاريع التدخل الأجنبي»، لكنه ينبه من أنه «إذا استمر النظام في محاولاته لتعطيل مثل هذا الحل العربي، فإنه سيعطى الفرصة لمؤيدي التدخل الأجنبي، الذين يريدون تحويل المبادرة العربية إلى أداة لشرعنة التدويل، وفي مقدمة هؤلاء بعض الدول الخليجية، التي تتطلع لأدوار إقليمية أكبر من حجمها الطبيعي، مثل قطر». هنا أيضاً، يتفق مناع مع كيلو على أن دول الخليج لديها أجندات غير معلنة، لذلك «نحن نحاول أن نوضح للشباب السوري أن الشعارات الإعلامية التي يرونها على التلفزيون ليست كلها صادقة، كما أننا نسعى إلى إقناع مختلف أطراف المعارضة بالتخلي عن الفكرة الرومانسية الساذجة التي تعتقد أن شباب الثورة هم دائماً على صواب». ويكمل شرح وجهة نظره، لافتاً إلى أنه «على جميع أطراف المعارضة التصدي لمخاطر التدخل الأجنبي وتسليح الثورة، وأن تعي أنه لا يوجد شعب محصّن طبيعياً ضد الحرب الأهلية». من هنا، خلص إلى ضرورة مواجهة مثل هذه المخاطر من خلال التخلّي عن مصطلحات شاعرية مثل «لا توجد» (حرب أهلية)، و«شعبنا يدرك» أو «شعبنا محصن». تشاؤم يختصره بالإقرار بأن «الأمور بدأت حالياً بالتدحرج نحو دوامة العنف، وهناك بعض البؤر التي دخلت في منطق الحرب الأهلية، ومن واجبنا جميعاً أن نقف في وجهها حتى لا تنتشر وتصبح حالة عامة».



المال الخليجي و«الثورة المضادة»


هل تخفي المبادرة العربية «مخططات خليجية سرية» للتأثير في الحراك الشعبي السوري من أجل «حرف الثورة عن أهدافها»؟ يجيب هيثم مناع عن هذا السؤال بالتأكيد أن «هناك الكثير من المال الخليجي الذي يتدفق على سوريا، ويصبّ في ما أسميه الثورة المضادة، وهناك مشروع خليجي غير معلن يهدف إلى تغيير السلطة في سوريا، لكن ليس على أساس إقامة دولة مدنية وديموقراطية، لأنها دول لا تريد أن تكون سوريا نموذجاً للديموقراطية في المنطقة، خشية أن يؤدي ذلك إلى زعزعة عروشها». أما ميشال كيلو، فيرى أنّ «ما سمح لدول الخليج، وقطر تحديداً، بتأدية دور أكبر من حجمها الطبيعي، ليس فقط أموال النفط، فلو كان العالم العربي واقفاً على قدميه، لكانت قطر اليوم مجرد مدينة صغيرة منسية وسط رمال الصحراء».