اللاذقية | مثل غيرها من المناطق والمحافظات السورية، تشهد مدينة اللاذقية انقطاعاً متكرراً للتيار الكهربائي، يصل إلى نحو 8 ساعات يومياً، ويقسم على فترات يختلف توقيتها من منطقة إلى أخرى. هذا الإجراء الذي تزامن مع بداية فصل الشتاء، بات يفرض على سكان المدينة نوعاً جديداً من أسلوب الحياة والعلاقات الاجتماعية على حدّ سواء.

قبل موعد انقطاع التيار في منطقة ما، يحزم شبابها حقائب حواسيبهم المحمولة ويتجهون نحو المنطقة التي وصلها التيار الكهربائي للتو، ليتحايلوا على عتمة منازلهم وبرودتها حيناً، أو ليتبادلوا الأحاديث وتصفّح مواقع التواصل الاجتماعي التي تحوّلت إلى ملاذهم الأخير. إسماعيل محمد، صاحب أحد هذه المقاهي الذي يقع وسط المدينة القديمة، قال لـ«الأخبار» «باتت بوصلة عملنا في المقهى خاضعة لوجود التيار الكهربائي أو غيابه. أفكر حالياً في شراء مولد كهربائي يؤمن حاجة المقهى الذي بات يفقد زبائنه تدريجاً».

يشتكي صاحب المقهى من الارتفاع الكبير غير المسبوق في جميع أسعار المواد الأولية التي يحتاج إليها عمله: «جميع المواد الأساسية ارتفعت أسعارها خلال الفترة الماضية، أكثر من 30%، والارتفاع لا يزال مستمراً، من دون إشارة أو بصيص أمل بعودة الأسعار عموماً إلى ما كانت عليه سابقاً». يحافظ محمد حتى الآن على الأسعار «المعتدلة والمناسبة للجميع ما دام الوضع لا يزال محتملاً، لكن إن بقيت الأسعار في ارتفاع مستمر، فسأرغم على رفعها».
رهف. خ. (24 عاماً) من أسرة تنتمي إلى الطائفة العلوية، «لكن والدي كان ولا يزال معارضاً للنظام الذي ضيّق عليه موارد العيش، بعد أن فصل من وظيفته الحكومية نتيجة مواقفه السياسية، وكنتيجة حتمية لانتمائه إلى الحزب الشيوعي السوري». رهف البنت الوسطى لأسرة مكوّنة من 6 أشخاص كل واحد منهم له عمله أو لا يزال ينهي سنوات الدراسة الأخيرة. الأب، أبو خليل، اتجه نحو تعهدات البناء منذ سنوات عدة، لكونه مهندساً مدنياً، لكن مع بداية الأحداث السورية انخفضت وتيرة تعهداته والمشاريع التي يشرف عليها تدريجاً، حتى اضطر أخيراً إلى إيقاف جميع أعماله. عن ذلك يقول أبو خليل (61 عاماً) :«معظم العمال والحرفيين في المشاريع التي أنجزها من محافظة حمص القريبة، وتحديداً من بلدة تل كلخ والقصير، التي بات دخولها أو الخروج منها عملية شبه انتحارية هذه الأيام. أيضاً النقص الشديد في توافر محروقات الديزل لآلات البناء، كل هذا سبّب توقف جميع أعمالي ومشاريع البناء التي أتعهدها».
تؤكد رهف أنها كانت تأمل بالحصول على عمل بسرعة، بعد تخرّجها القريب جداً من قسم اللغة الإنكليزية في جامعة تشرين في اللاذقية. «لكن على ما يبدو أن الظروف الاقتصادية للمحافظة آيلة نحو الانحدار السريع للأسفل. كان من الصعب بحق إيجاد عمل مناسب قبل بداية الأحداث، أما الآن فهناك الآلاف من العمال والموظفين المسرحين من أعمالهم، وأصبحت فرصة العمل ضرباً من المستحيل».
هذا ما ينطبق أيضاً على خليل، الابن الأكبر في العائلة، الذي كان يعمل مهندس اتصالات في شركة سورية ـــ فرنسية مشتركة، لكن الأخيرة أنهت عقود جميع موظفيها، وحلّت ارتباطها مع شريكها الوطني. عن ذلك يقول خليل «المتضرر الأول والأخير من الأحداث، هي الطبقة المتوسطة». وأضاف أن جميع ما قدمه النظام السوري من خطوات إصلاحية وقوانين جديدة «لا تزال تراوح مكانها، ولا تتعدى مسألة ذر الرماد في العيون، كذلك كل ما قدمته جماعات الثورة السورية كالمجلس الوطني وهيئة التنسيق وغيرها من تنسيقيات الثورة، بعيد كل البعد عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأمني للمجتمع السوري التي أنتجته هي نفسها منذ بداية الأحداث حتى يومنا هذا».
يحاول خليل الآن البحث عن فرصة عمل جديدة، بعيداً عن أرض وطنه، «لا فرق إن كانت وجهة العمل الجديدة في بلد عربي أو غربي عموماً. أما فكرة الهجرة أو العمل بعيداً عن أهلي وبلدي، التي كنت أرفضها سابقاً، فقد تحولت الآن إلى الحل الوحيد كي أستطيع تسديد ديوني التي تراكمت خلال الأشهر الأربعة الماضية».
ونتيجة الأحداث الدموية والاقتتال الطائفي الذي لم يعد خافياً على أحد في مدينة حمص، لجأ عدد من الأقارب الهاربين من حي الزهراء، وسط مدينة حمص، إلى بيت العائلة الذي أثقل مادياً بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية. عن ذلك تخبرنا أم خليل: «مع قدوم الأقرباء الهاربين من الخطر والموت، تضاعف مصروف الأسرة على كافة الأصعدة، بما فيها الطعام والحاجيات الأساسية، والوقود من غاز ومازوت المفقود أساساً». لم تذكر أم خليل أنها فكرت يوماً في أسلوب التوفير أو الاقتصاد في الطعام على سبيل المثال، لكن الآن مع تضاعف عدد الأسرة، والظروف المعيشية الصعبة جداً، بدأت تتحايل على الظروف المادية الصعبة، كي لا يشعر أحد من أفراد الأسرة أو الضيوف النازحين بضيق حال اليد.
تبقى حكاية سناء، البنت الصغرى للعائلة، كافية لتلخص الانقلابات في وجهات النظر التي بدأت تطفو على السطح في تعاطي أطياف واسعة من المجتمع السوري مع أحداث الأزمة. بقيت طالبة الطب أمينة لأفكارها المعارضة للنظام، التي تربّت عليها وتوصلت إليها خلال سنوات عمرها الـ22، لكن حادثة أليمة غير متوقعة كانت كافية لتعيد حساباتها مجدداً: «عند خروجي من جامعة حمص ظهراً، أوقفني عدد من المسلحين الشبان، وسألوني عن طائفتي، وبعد أن عرفوا انتمائي إلى الطائفة العلوية، وضعوا فوهة بندقية أحدهم في رأسي وهددوني بعدم القدوم مجدداً إلى الجامعة». من الصعب على طالبة الطب التي كانت متحمسة «للثورة وأحداثها» نسيان لحظات الرعب التي عاشتها. تقول «فضّلت عدم الذهاب مجدداً إلى الجامعة، ربما أخسر سنة دراسية هذا العام، لكن هذا يبقى أفضل من قتلي على أيدي من كنت اعتقد أنهم ثوار حقيقيون، يقدّرون حرية الإنسان ولا يحاسبونه على انتمائه الطائفي فقط».
أما رهف فباتت ترى أن الصراع الدائر في الخفاء بين مؤسسات النظام من جهة والمعارضة السورية الداخلية والخارجية من جهة أخرى على كسب تأييد وولاء الطبقة الوسطى في المجتمع السوري، التي تمثّل الغالبية العظمى منه «ما هو إلا صراع خاسر مسبقاً، لأن الديكتاتورية التي تحاول فرضها أطياف المعارضة على المجتمع السوري الآن لا تختلف أو تبتعد كثيراً عن تلك الممارسات التي كان ينتهجها النظام نفسه».