الكويت | عشية انتخابات مجلس الأمة الكويتي، غداً الخميس، ارتفعت نبرة التشنّج والحدّة في المنافسة في الدوائر الانتخابية الخمس لانتخاب 50 نائباً لرابع برلمان، في أقل من ست سنوات، حُلّ مجلس الأمة خلالها ثلاث مرات، فلم يُكمل في أي منها ولايته القانونية: 2006 و2008 و2009، لسبب واحد دائماً هو عدم التعاون بين الحكومة ومجلس الأمة، وسلال الاستجوابات، التي كانت تقدّم إلى رئيسها تارة وإلى وزرائها طوراً، كانت تعكس استحالة تفاهمهما بعدما تعاقبت سبع حكومات.

بدت في السنوات الأخيرة أزمة الثقة بين السلطتين الإجرائية والاشتراعية كأحد أبرز دوافع إبطاء التنمية وتنفيذ المشاريع في دولة لا تنقصها القدرات والإمكانيات، ولا يسعها تبرير عجزها حيالها، وفق مسؤول حكومي يعزو لـ«الأخبار» هذا التراجع إلى أخطاء متبادلة بين السلطتين. ويشير أيضاً إلى تجاذب القوى داخل مجلس الأمة على نحو أخرج الاشتباك من نطاقه السياسي والديموقراطي إلى الاتهامات والتشكيك في الذمم المالية، والتشهير والشتائم والاشتباك بالأيدي حتى، وصولاً إلى نقل الصراع إلى الشارع ومحاولة استدراج الشرطة إلى مواجهات.
في هذا السياق، تفسّر جهات رسمية كويتية ردود الفعل على حادثة إحراق خيمة رئيسية، ثم الخيم الأربع الأخرى الملحقة بها، في المقرّ الانتخابي لأحد مرشحي الدائرة الثالثة محمد الجويهل، مساء الاثنين في العديلية، كأحد مظاهر الانتقال بالخلاف إلى الشارع. فبعد سجال متشنّج طغت عليه الإهانات والتهديدات بينه وبين مرشح الدائرة الرابعة عبيد الوسمي، هاجمت قبيلة مطير مقرّ الجويهل وأحرقت خيمه ردّاً على شتمه الوسمي وتوجيهه إهانة إلى قبيلته وتهديده إياها بالدوس، بعدما كان مرشح الدائرة الرابعة قد شتمه بعبارات مماثلة.
مثّل هذا الحادث صورة الاحتقان الذي تتصف بها انتخابات الدائرة الثالثة كمرآة عاكسة للصراع السياسي في الكويت، منذ اعتماد الدوائر الخمس في قانون الانتخاب لأول مرة في انتخابات 2008، والتخلي عن الدوائر الـ25. وتبعاً لهذا القانون، فإن للمقترع الكويتي التصويت لأربعة مرشحين فقط للمقاعد الـ10 في دائرته، عملاً بنظام الاقتراع الأكثري. ورغم اختبار الدوائر الخمس منذ عام 2008، لم تنجح تجربة تعاون مجلس الأمة مع الحكومات المتعاقبة، وظلّ الصراع على الوصول إلى المجلس وتبدّل التحالفات بين القوى والتكتلات الرئيسية التي يتكوّن منها البرلمان الكويتي (السنّة والشيعة والسلفيين والليبراليين) سبباً محورياً في النزاع مع الحكومة وحمل الأمير على حلّ مجلس الأمة،
الأمر الذي تبرزه شعارات الحملات الانتخابية في شوارع الكويت، وفي الديوانيات والندوات الليلية في الدوائر الخمس، عن مكافحة الفساد وتفشّي النزعات الطائفية والذمم المالية والرشوة باتهام نواب بعضهم بعضاً، واتهام الحكومة بالإهدار والمشكلات الاجتماعية والتنمية، وصولاً إلى المطلب الأكثر تداولاً في بعض الحملات، إلا أنه الأكثر إثارة للجدل في الديوانيات والندوات، وهو المطالبة بإطلاق عمل الأحزاب باسم «إشهار الأحزاب». بيد أن الحكومة لا تزال ترفضه.
وبحسب تصريح المسؤول الحكومي لـ«الأخبار»، فإنه ليس وارداً الترخيص بإنشاء أحزاب سياسية في الكويت، رغم أن الرئيس الحالي لمجلس الأمة جاسم الخرافي صرّح مراراً بأن الترخيص آت. لكن المسؤول يعزو الموقف السلبي من الترخيص للأحزاب إلى معطيات يختلط فيها واقع التجمّعات والتكتلات النيابية الحالية بتنامي النبرة المذهبية داخلها، وبدور السلطة الإجرائية حيالها، وبعض تلك التجمّعات لا يخلو من تنظيم أوّلي يكاد يجعلها أحزاباً غير مرخصة.
بعض تلك المعطيات:
أوّلاً، لا يزال المجتمع الكويتي غير مؤهّل حتى الآن لممارسة التجربة الحزبية، في ظلّ مناخ مذهبي وطائفي يتأثر بالوضع الداخلي، ويتأثر كذلك بتطورات المنطقة. وبإزاء تكتّلات وتجمّعات طائفية كهذه، يخشى تحوّلها أحزاباً سياسية طائفية، ما يضع الإمارة أمام خطر محدق. وفي ظلّ الوضع الراهن، يقول المسؤول الحكومي، من غير المتوقع أن يؤول الترخيص، في معرض الإعداد لتعدّدية حزبية سياسية، إلى نشوء أحزاب لا تستند إلى دين أو مذهب أو قبيلة، كما هو سائد اليوم في تكتّلات مجلس الأمة وتجمّعاته.
ثانياً، تحت وطأة الخلافات الناشبة بين التكتّلات والتجمّعات، تمثّل الأسرة الحاكمة صلة التقاطع الوحيدة التي تجتمع عليها هذه القوى، نظراً إلى الثقة التي تمنحها للأمير وللأسرة الحاكمة التي لا تنحاز إلى فريق دون آخر، ولا يترشح أحد من أبنائها إلى مجلس الأمة. قاد ذلك إلى تكريس عرف يقضي بحصر رئاسة الحكومة والوزارات السيادية الثلاث (الخارجية والدفاع والداخلية) في أيدي أعضاء في الأسرة الحاكمة، مع أن الدستور الكويتي لا يفصل بين ولاية العهد ورئاسة مجلس الوزراء، وكان وليّ العهد في فترات سابقة رئيس الحكومة.
إلا أن الفصل بين الاثنين، بالممارسة، أتاح مقاربة هذا الإجراء على أنه خطوة ديموقراطية ومطلب شعبي، وإن قيل في بعض الأحيان إنه يتصف بالنقصان، ما دامت رئاسة الحكومة لا تزال في يد الأسرة الحاكمة. وتبعاً لما تشيعه بعض قوى مجلس الأمة التي تتطلع إلى رئاسة الحكومة، فإن جزءاً من تعثّر التفاهم المتكرّر بين السلطتين الإجرائية والتشريعية يقع في هذا التفسير.
النقطة الثالثة تتعلق بأن الكويت لا تُحكم بأكثرية وأقلية. ورغم أن الحكومة لا تزال تقبض على الغالبية النيابية في مجلس الأمة، ارتأت عدم تعاونها معه تحت وطأة الاحتقان السياسي والمذهبي داخل المجلس، وبين بعضه وأعضاء الحكومة.