خلال «توبيخه» الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف، قال الملك السعودي، عبد الله، إن المملكة «لن تتخلى أبداً عن واجباتها الدينية والأخلاقية حيال ما يجري» في سوريا. لكن في آخر مرة ارتأى فيها السعوديون أن لديهم واجباً لـ«إحباط» السياسات الروسية، كانوا قد مهّدوا الطريق لانبثاق «جيل من الجهاديين في أفغانستان، ينشرون الفوضى في العالم منذ ثلاثة عقود وحتى الآن». وفي السياق، نقل المحلل الاستخباري السابق في وزارة الخزانة الأميركية جوناثان شانزر، وهو مسؤول في «مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات»، عن تقارير إخبارية أن الرياض «ترسل بالفعل أسلحة ومعدات للمعارضة السورية، عبر حلفائها من العشائر السنية في العراق ولبنان»، على أن ترسل المزيد. هكذا لمّح وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل عندما وصف فكرة تسليح المعارضة بأنها «ممتازة». بعدها، نقلت صحيفة «سعودي غازيت» عن مسؤول لم تسمّه أن الرياض تفكر بتزويد المعارضة السورية بـ«الوسائل الكفيلة بتأمين الاستقرار والسلام»، فيما بدأ رجال الدين السعوديون يدعون على الملأ إلى الجهاد في سوريا.

هذه النزعة لتسليح المعارضة السورية تعود، حسبما كتب شانزر، في مجلة «فورين بوليسي»، إلى رغبة «الدول السنية (في الخليج) بتقويض نظام (بشار) الأسد، لأنه حليف عدوتهم الشيعية إيران». وتابع أن «حرمان الروس من موطئ قدم لهم في الشرق الأوسط يعدّ مكسباً إضافياً بالنسبة للسعوديين»، فـ«الدولتان تتشاطران عداءً مزمناً».
في سبعينيات القرن الماضي، استخدم السعوديون ثروتهم النفطية «الهائلة» لـ«تسديد ضربات موجعة للروس، أينما استطاعوا». وحاربوا الحكومات والحركات السياسية الشيوعية بأكثر من 7.5 مليارات دولار على شكل مساعدات ومعونات عسكرية لعدد من الدول.
بمكافحتهم للشيوعية، حقن السعوديون «جيلاً من المقاتلين الإسلاميين المتشددين الذين أثاروا المتاعب الكبرى أينما حلّوا». هؤلاء كانوا «مفيدين» بالنسبة للمملكة، بعدما غزا السوفيات أفغانستان في نهاية 1979. بعقيدة «وهابية صارمة»، وبأسلحة وأموال سعودية، «تدفقوا إلى أفغانستان».
تغيّر الكثير مذّاك. والسعوديون لا يحتاجون اليوم إلى محاربة الشيوعية. فالروس اليوم «لا أيديولوجية لهم، ولا تسيّرهم سوى المصالح السياسية». كما ان الكرملين يعاني من «حساسية» من نشر الجنود في الشرق الوسط وجنوب آسيا. استراتيجية موسكو الجديدة «تقتصر على جني المال والنفوذ عبر بيع الأسلحة والمعدات العسكرية والتقنيات إلى إيران وسوريا».
وبرأي شانزر فإن تسليح الأنظمة «المارقة» يبدو «عملاً طائشاً»، لكنه يُعدّ «الفرصة الأخيرة بالنسبة للروس لممارسة ثقلهم في المنطقة». وتعد طرطوس، ثاني اكبر مرفأ في سوريا، «الحجر الأساس» للتعاون البحري بين موسكو ودمشق منذ السبعينيات. والسعوديون يعلمون أنه إذا سقطت سوريا فستسقط طرطوس معها، ما يشكّل «سبباً إضافياً لتسليح المعارضة».
الإدارة الأميركية لا تزال متريثة، لكن «صبر السعوديين نفد». «بلا مواربة»، باتوا يروّجون لتسليح الجيش السوري الحر. وهذا ليس «تهديداً أجوف». وإذا أرادت الرياض أن تسلّح المعارضة فهي ستفعل ذلك، كما قال شانزر، مرجّحاً أن «ينقاد من يتلقون الأسلحة، بسهولة، وراء العقيدة الوهابية». لكن الكاتب حذّر، في ختام تقريره في «فورين بوليسي»، إدارة أوباما من «مغبة التريث لوقت أطول. عندئذ ستتفاقم الأزمة الإنسانية، وعلى الأرجح سيتدخّل لاعبون آخرون لإحداث التوازن في سوريا». في جعبة التاريخ درس مفاده أن «لا أحد سيكون أكثر خطورة من السعودية».