لم تمثّل استقالة هيثم المالح مفاجأة لكثيرين من متابعي أوضاع المعارضة السورية، إذ سبق إعلانه عن استقالته الرسمية قبل أيام أنه دخل في غير مرة بنوع من «حالات الاستقالة» النفسية. وكان خلالها يعتكف أو يتبرم أو يلوذ بالصمت ويستهجن طرق العمل والتفكير داخل المجلس، وهو ما وصفه عند استقالته بأنه «الفوضى العارمة».


فالرجل جاء إلى العمل المعارض من بيئة غير تلك الموجودة في المجلس الوطني. فهو «شيخ الحقوقيين»، كما يطيب لأصدقائه تلقيبه، وهو دخل السجن وخرج منه مرات. وآخر مرة قبل أن يخرج من سوريا عام 2011، أجرى مشاورات مع أصدقائه لجس نبض إمكان إنشاء حكومة ظل. قال لهم لا يوجد معارضة في العالم لا تؤلف حكومة ظل، مشدداً على أن وظيفتها ليست نقل السلطة، بل معارضة السلطة. وفي نهايات العام الماضي، عندما ذهب إلى أنقرة لحضور مؤتمر من أجل المعارضة السورية، سبقت عودته إلى حيث يقيم خارج سوريا، حملة من أعضاء الإخوان المسلمين في المجلس الوطني، الذين اتهموه بأنه يسعى في أنقرة الى إحياء فكرته القديمة ـــــ الجديدة بإقامة حكومة ظل تعارض النظام ولا تسعى إلى الحلول مكانه. فوجئ المالح، بعد تركه أنقرة آنذاك، بهذه الحملة، ولا سيما أنه لم يطرح هذه الفكرة في مؤتمر أنقرة، أصلاً، كما أنها لم تكن في الأساس، مندرجة في ورقة أعماله.
لكن السؤال هو لماذا الآن فقد المالح صبره، وقرر الخروج من المجلس الوطني؟ سببان رئيسيان يحكمان هذا التوجه، الأول هو سعي رئيس المجلس برهان غليون إلى وضع رؤية لمستقبل القوى التي ستحكم سوريا بعد سقوط الرئيس بشار الأسد، تقوم على تحالف ينشأ بين قوى ليبرالية منقادة له، ومؤسسة الجيش التي سيقودها غداً ضباط الجيش الحر بالاشتراك مع الإخوان المسلمين. وعلى هذا الأساس فان إلحاق الجيش الحر بهيكلية المجلس الوطني، يمثّل من وجهة نظر غليون تجسيداً مبكراً لنظريته حول هندسة مستقبل نظام الغد، لكن مشكلة غليون أنه أتى لرئاسة المجلس بأصوات الإخوان المسلمين، الذين فعلوا ذلك، ليس كرمى لعيونه، بل لتطمين القوى اليسارية والليبرالية فيه.
والإخوان يفضلون غليون على المالح. فالأول من وجهة نظرهم عديم الخبرة السياسية، حتى لو توهّم بأنه يصوغ في الخفاء ومن وراء ظهورهم «الكتلة التاريخية» التي ستضعفهم في مرحلة قطاف السلطة، كما أن للإخوان ثأراً آخر على المالح، فحواه أنه خلال الشهور الأخيرة نجح في استقطاب عدد معتبر من أعضاء كتلة الـ 74 المؤلفة من رأسماليين سنّة في الغالب، التي دخلت إلى المجلس في بداية تشكيله ككتلة متراصة. وهؤلاء جميعهم هم أشخاص هجروا تنظيم الإخوان، لكن ظلوا على صله به. ولطالما استخدم الإخوان هذه الكتلة كاحتياطي استراتيجي لمناوراتهم للبقاء بيضة القبان داخل المجلس الوطني. ضمن هذه التعقيدات، وجد المالح أن بقاءه في المجلس الوطني لم يعد يخدم إلا شيئاً واحداً، وهو «التفرج» على لعبة التكاذب بين الإخوان وغليون. السبب الثاني يتصل بأن المجلس الوطني بعد تعاظم ظاهرة تبدل الاصطفافات السياسية داخله، لأسباب مصلحية لا سياسية، باتت حاله أشبه ما يكون بوضع سوريا قبل أيام الرئيس حافظ الأسد، فصار أعضاؤه ينامون على اصطفاف أغلبية داخله، ويستيقظون على اصطفاف أغلبية مغايرة، وذلك بمعدل مرة في الأسبوع. وصار واضحاً أنّ من أهم أسباب تبدل هذه الاصطفافات هو التدخلات الإقليمية في شؤونه، وصراعاتها فوق ساحته، سواءٌ منها التدخلات الناطقة، مثل الصراع بين أنقرة والرياض، أو الصامتة، مثل الصراع بين قطر والسعودية أحياناً. وثمة أعضاء سبقوا المالح إلى الخروج من المجلس، يقولون إن الأخير دُفع كي يستقيل لأن دولاً خليجية أخذت قبل أيام قراراً سرياً ببدء عملية تمويل سياسي مشروط للمجلس. وأول هذه الشروط يتمثل في عدم قبوله أيّ وساطة دولية تتضمن الحوار مع الرئيس بشار الأسد. وكاستجابة مجانية لهذه الشروط بدأ الإخوان وغليون، بهيكلة المجلس سياسياً على نحو يتكيف مع هذه المطالب. وأدى ذلك إلى بدء عملية «غربلة» لأعضائه وفق معايير «المنخل» الخليجي المموِّل، ووفق معيار أساسي يقول: إن من لا يستطيع الانسجام سياسياً مع دفتر شروط التمويل العربي، فليخرج.