دمشق | لا يوفّر اللاجئون الفلسطينيون في المخيمات السورية فرصة للإعلان عن وطنيتهم، وتأكيد رغبتهم في العودة إلى وطنهم فلسطين، الذي انسلخوا عنه غصباً قبل 63 عاماً. في مخيم اليرموك الواقع جنوب العاصمة السورية، دمشق، كما هي الحال مع بقية المخيمات الفلسطينية في سوريا، حوّل السكان جدران منازلهم الخارجية وواجهات محالهم التجارية، إلى مساحات للملصقات التي توزعها كافة فصائل المقاومة الفلسطينية في المناسبات الوطنية، وبعض الرسومات والشعارات أو كتابة العبارات التي تدعو إلى مقاومة الاحتلال الصهيوني وتؤكد على حق العودة، ولبعض صور الشهداء التي تعتلي بعضها بعضاً، حتى وصلت سماكتها إلى بضعة سنتميترات على أحد الجدران.


«وحدها صور شهدائنا قادرة على توحيد كافة الفصائل الفلسطينية، التي كانت ولا تزال تختلف على التفرّد في القرار الفلسطيني. هنا تتجاور صور شهداء حركة «حماس» مع «فتح» وغيرهما من الفصائل والحركات الفلسطينية، التي طال اختلاف قادتها في وجهات النظر»، يقول أبو أحمد، الرجل الفلسطيني المسن، صاحب أحد المحال التجارية في سوق مخيم اليرموك.
جولة قصيرة في شوارع المخيم وأزقته كافية لتأكيد الغياب التام لمظاهر الاحتفال بيوم الأرض، الذي ينتظره فلسطينيو الشتات في العالم، للخروج بمسيرات حاشدة، لإحياء واحدة من المناسبات الوطنية الكثيرة، التي يؤكّد فيها سكان المخيم، مثل غيرهم من فلسطينيي الشتات، وجودهم وحقهم في العودة إلى أرضهم. فالأحداث السورية أثّرت على طبيعة الحياة وأسلوب عيش سكان المخيم، كما هي الحال مع بقية المناطق السورية المجاورة. «عادة ما يسبق يوم الأرض توزيع ملصقات ولافتات تعلقها كافة فصائل المقاومة الفلسطينية في المخيم، تدعو كل واحدة منها إلى الاحتفال بهذه الذكرى على طريقتها الخاصة، وتعودنا كل عام على الخروج بمسيرة حاشدة تضم كافة الفصائل في شارع المخيم الرئيسي، تعبيراً عن وحدة صف المقاومة، لكن على ما يبدو ستغيب المسيرة الحاشدة هذا العام عن شوارع المخيم»، يقول مصطفى، مدرس اللغة الإنكليزية في مدرسة تابعة لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا». بعيداً عن الهدوء والحذر اللذين تريد فصائل المقاومة الفلسطينية المحافظة عليهما في أجواء المخيم، في التعاطي مع ذكرى يوم الأرض، خشية وقوع حوادث أمنية غير متوقعة، دعت حركة «فلسطين حرة»، على لسان مؤسسها رجل الأعمال الفلسطيني ياسر قشلق، إلى الخروج والزحف إلى أرض الجولان السوري المحتل، استجابة لدعوة مسيرة القدس العالمية التي ستخرج في نحو 80 بلداً في العالم، بشكل مشابه لخروج الشباب الفلسطيني لإحياء ذكرى النكبة والنكسة في 15 من أيار و6 حزيران الماضيين، عندما سقط 40 شهيداً في شبان المخيم، بعدما اجتازوا حقول الألغام والأسلاك الشائكة، ليصلوا إلى الأراضي المحتلة.
«على من يدعو الى الزحف في يوم الأرض، أن يزور مقبرة الشهداء في المخيم، ويقرأ الفاتحة للشهداء الذين سقطوا نتيجة دعوته الرعناء هذه»، يقول أحد شبان المخيم الذي رافقنا لمعاينة قبور شهداء الجولان وكان مشاركاً في الزحف الأخير. ويتابع «من كان يتابع السيد قشلق وهو يحمّس شبابنا على الخروج إلى الجولان، يتوقع أن يكون أول الواصلين إلى الأسلاك الشائكة، لكننا لم نره هناك، حتى أنه لم يكلف نفسه عناء تعزية عوائل شهداء المخيم، الذين لبّوا دعوته ونداءاته».
في زقاق ضيّق، وسط مخيم اليرموك، يقع مكتب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. بضع درجات عالية متهالكة، تفصلك عن غرف وُزعت فيها صور للحكيم جورج حبش، وتشي غيفارا ولشهداء عرب وأجانب شاركوا في عمليات استشهادية. لا مظاهر احتفالية تُذكر بيوم الأرض، سوى دعوة إلى تكريم أمهات الشهداء ستقيمها الجبهة في مركز شبابي وسط المخيم. يحدثنا وديع أبو هاني، القيادي في الجبهة، عن ظروف وحيثيات الدعوة إلى الزحف إلى الجولان في ذكرى النكبة، ويحاول الربط بينها وبين الدعوات التي أطلقها مجدداً قشلق للخروج بزحف مشابه، ويقول «الدعوات إلى الخروج في 15 أيار الماضي لإحياء ذكرى النكبة كانت مشروعة، على اعتبار أن الشعار الذي طُرح هو أن اللاجئين الفلسطينيين في سوريا يريدون العودة، ولما تمتعت به من عفوية وصدق، أكدها اجتياز الشباب للحدود والاسلاك الشائكة ولحقول الألغام». وأكّد أنه كان هناك إجماع لدى المنظمات الفلسطينية على عدم الخروج في 5 حزيران الماضي «حتى لا تضرب الرصيد الذي أوجده الخروج الأول، بعفويته وصدقيته. هذا ما لم يتواجد لدى الجانب الصهيوني عندما أعد العدّة لاستقبال الحشود بالألغام والسواتر والدوريات المكثفة والرصاص، فضلاً عن محاولة ربط بعض الجهات السياسية والإعلامية هذا الحدث بالأحداث السورية المتزامنة».
وانتقد أبو هاني دعوة قشلق بالقول «شهران من الآن والسيد ياسر قشلق يدعو على وسائل إعلامية مختلفة بشكل منفرد، وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، من أجل الخروج مجدداً إلى الجولان، من دون التشاور مع وحدة الصف الفلسطيني، أو تقديم قراءة سياسية استراتيجية أو مكاسب سياسية يمكن أن يحققها للشأن الفلسطيني ضمن الظروف الصعبة التي نعيشها اليوم في سوريا». وأشار إلى أن هناك محاولات حثيثة تعمل عليها الفصائل لنقل النشاط إلى مهرجان شعبي سياسي سيقام في أحد المعسكرات وسط العاصمة السورية، دمشق، مؤكّداً أن «جميع الفصائل الفلسطينية ترفض تماماً دعوة ياسر قشلق وحركته إلى الخروج إلى الجولان، ونحاول جاهدين منع شبابنا من تلبية هذه الدعوة».
في غضون ذلك، أصدرت فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في سوريا بياناً مشتركاً بخصوص الدعوة إلى الزحف إلى الجولان بمناسبة يوم الأرض، جاء فيه «تؤكّد فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في سوريا أن فعالية بمستوى التوجه إلى الجولان، تتطلب اتفاقاً وطنياً بين مختلف القوى والفاعليات الوطنية والسياسية في الساحة السورية، خصوصاً في مثل هذه الظروف التي تشهدها سوريا الشقيقة، والتي نتمنى تجاوزها في القريب العاجل».
وأشار البيان الى أن «الأمر لا يحتمل أي مزاودة أو أي خطوة غير مدروسة الأهداف والنتائج»، وأن «أي مبادرة فلسطينية هادفة يجب أن تكون ضمن أجندة وطنية صادقة ومخلصة في خدمة الكفاح الوطني الفلسطيني وأهدافه». وطالبت الفصائل أبناء الشعب الفلسطيني «بعدم المشاركة بفعاليات لا تخدم نضالنا الوطني أو مصالح شعبنا». وتمنت «التفاف أبناء المخيمات والشباب المتحمس حول ما أجمعت عليه كافة الفصائل الفلسطينية في رفضها دعوة الخروج إلى حدود الجولان المستغربة والمستهجنة».