لا تمضي فترة إلّا ويثبت الداعية عمرو خالد أنه الأكثر قدرة على إثارة الجدل في مواقفه التي يتخذها أو يعلنها، اذ تصاحبها دائماً حالة غموض واستياء تقسّم معسكر محبيه ومتابعيه إلى مؤيد ومعارض. الانقسام بدأ مع خروجه من مصر إلى انكلترا دون إبداء أسباب وامتد ليشمل زيارته للدانمارك عقب واقعة الرسوم المسيئة للنبي محمد. ولم ينته الأمر ببعض تصريحاته الفقهية الجدلية وموقفه غير الواضح بصورة جلية من الثورة.


كل هذه المواقف كانت متقطعة ومتفرقة. لكن هذه المرة، وخلال أقل من 10 أيام، أقدم عمرو خالد على ثلاثة مواقف متتالية مثلت صدمة لدى قطاع عريض من محبيه ومتابعيه. الموقف الأول لخالد كان إعلانه عن تأسيس حزب سياسي يحمل عنوان «مصر المستقبل». أكد خالد، في شريط مصور، أنه «يمثل الطريق الثالث في مصر»، وأنه جاء استجابةً «لنتيجة الانتخابات الرئاسية المصرية»، بعدما اتصل به العديد من المصريين في كل أنحاء العالم وداخل مصر «يبكون من النتيجة ويسألون محتارين ماذا يفعلون ؟». وبعدما أوضح خالد أنه تأمل، فرأى أن سر نجاح الفائزين في الجولة الأولى، محمد مرسي وأحمد شفيق، يتمثل في كون «وراء كل منهما كيان كبير وضخم ومنظم ومنتشر في كل أنحاء مصر وليس مجرد وجود في الإعلام أو الصحف»، وجد الداعية المصري حتمية لإعلان هذا الحزب ليجمع فيه كل هؤلاء الذين يرون أن النتيجة لا تمثلهم.
لكن بالعودة إلى تاريخ عمرو خالد، فإن الحيرة من إنشاء الحزب تتبدد. فقد كان السعي لتأسيس حزب «مصر المستقبل» ممتداً لنحو أكثر من عام. وأوضح الناشط الحقوقي، القيادي في حزب الريادة، المهندس هيثم أبو خليل، لـ«الأخبار»، أن اسم الحزب، الذي أعلنه خالد، هو اسم حزب كان قد دخل في مفاوضات لاعلانه خلال شهري آذار ونيسان عام 2011، من خلال وكيل مؤسسيه آنذاك الدكتور محمد يحيى، رئيس مجلس أمناء مشروع صناع الحياة، وأحد أقرب المقربين لخالد، مع كلٍ من حزب النهضة الذي يتزعمه إبراهيم الزعفراني ومحمد حبيب، القياديان الإخوانيان السابقان، وحزب الريادة الذي يتزعمه خالد داود ومحمد هيكل القياديان الإخوانيان أيضاً. ووفقاً لأبو خليل، كانت اجراءات دمج الأحزاب معاً تحت اسم واحد جارية، إلا أن التأخر في إتمام التحالف يرجع إلى وجود خلافات على شكل الهيئة العليا للحزب والمكتب التنفيذي في الحزب المشترك آنذاك.
ويلفت أبو خليل إلى أنه طوال هذه المفاوضات لم يظهر عمرو خالد في الصورة، إلّا كمرحب بالفكرة دون الإعلان أنه جزء منها. وهو ما فاجأ أبو خليل حينما رأى خالد يعلن انشاء الحزب، بعد أن كان يحيى هو المتولي للموضوع برمته معهم. إلا أن محمد يحيى يفسر لـ«الأخبار» هذا الأمر بالقول «هناك تطابق روحي بيني وبين خالد، لكن في المشروعات الكبرى التي تحتاج إلى تجهيز ووصل إلى الجماهير بصورة كبيرة، تستلزم أن يبتعد في بدايتها خالد عن المشهد حتى يستقر المشروع بعيداً عن الملاحقة الإعلامية، وعند اكتماله يعود المجهزون خطوة للخلف ويتقدم خالد خطوة للأمام بحيث يحدث التأثير الجماهيري المطلوب».
وكشف يحيى أن المفاوضات مع حزبي النهضة والريادة لا تزال قائمة حتى الآن. كذلك كشف عن أن هناك «مفاوضات تجري بين (محمد) البرادعي و(عبد المنعم) أبو الفتوح للدخول في اندماج وشراكة بين كل هذه المشاريع لتصبح المشروع السياسي الأكبر في مصر، من أجل حياة ديموقراطية سليمة»، وهو ما لم يؤكده حتى الآن أيّ من البرادعي أو أبو الفتوح.
من جهته، أبدى الباحث في الشؤون السياسية والإستراتيجية، محمد العربي، دهشته من إعلان عمرو خالد أن حزبه «تنموي»، متسائلاً «ما الغرض من تأسيس كيان سياسي بدعوى التنمية». ووصف ذلك «بالتناقض»، ولا سيما أنه أسس بجانبه منتدى لحل المشكلات التنموية والاقتصادية.
الموقف الثاني المثير للجدل لعمرو خالد، كان إعلانه قبل أيام عن تأسيس منتدى أهل مصر، وهو تجمع يضم العديد من الخبراء ورجال الأعمال، كبيت خبرة اقتصادي وإداري وتنموي. وهو في ظاهر الإعلان أمر جيد، لكنه كان بالنسبة لعدد كبير من أنصار خالد، دليلاً على «الميوعة وعدم الوضوح»، وذلك بسبب وجود رجال أعمال وقيادات في الحزب الوطني داخل هذا المنتدى، بينهم وزراء سابقون في عهد مبارك.
أمر رآه الباحث في علم الاجتماع السياسي، إسماعيل الإسكندراني، ليس غريباً على خالد. وأوضح أن «المساحة التي تحرك فيها خالد هي للحفاظ على أوضاع ومصالح أصحاب رؤوس الأموال والطبقة العليا، وتحويل مسؤوليتها إلى شعور بالرضا الشخصي أو راحة الضمير حين يخرجون من جيوبهم معونة إلى الفقراء والمحتاجين».
أما أبو خليل، فيرى أن عمرو خالد يقوم من خلال إشراكه الفلول في هذا المنتدى بـ«حماية للمشروعات التنموية الخاصة، وهو بالنسبة لهم واجهة جيدة مقبولة اجتماعياً خاصة بين الشباب، يعيدون بها تقديم أنفسهم للرأي العام». إلا أن محمد يحيى، وهو أيضاً العقل المدبر لخالد، علّق على هذه الانتقادات بدهشة لـ«الأخبار»، قائلاً «لماذا الاستياء، فكل شيء حسب الدور المنوط به. الحزب ليس له علاقة بالمنتدى». وفسر يحيى وجود هذا العدد من قيادات الوطني ووزرائه السابقين بالمنتدى، بأنه من أجل هدف المنتدى المتمثل في تجميع الخبرات والمعلومات الموجودة بحوزة هؤلاء، والتي جمعوها أثناء تواجدهم في مناصبهم أو مواقعهم، لأنها ملك مصر والمصريين وليست ملكهم. وأضاف «لو كان يتسنى ضم مبارك لعضوية المنتدى لفعلنا ذلك»، مشيراً إلى أن هؤلاء «حتى لو فلول ممكن يكونوا بيحبوا مصر وبيحبوا ربنا».
أما الموقف الثالث لعمرو خالد، فجاء خلال لقائه مع شبكة «سي بي سي»، حيث رفض إعلان موقفه من جولة الإعادة، معتبراً أن ما يحدث «فتنة تشبه فتنة علي ومعاوية»، لذا فإنه قرر «اعتزال الفتنة مثل عبد الله ابن عمر». وهو ما أثار موجه من الاستياء والغضب بين العديد من أنصاره، ولا سيما التابعين للتيار الإسلامي لما وجدوا فيه من مساواة بين مرشح جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي، ومرشح النظام السابق أحمد شفيق.
ويرى العربي أن هذا الخطاب ما هو إلّا «استمرار لسياسة اللاموقف التي تبناها عمرو خالد في كثير من المواقف، وهو ما سيؤدي إلى عدم تفاعل إيجابي معه نظراً لوجود استقطاب سياسي حاد في الشارع المصري، يستلزم تبني مواقف محددة». ويختتم العربي بالقول إن عودة ظهور خالد «تبدو متسقة مع حالة الصعود السياسي الإسلاموي في مصر بعد الثورة».