تونس | بعد سنوات من منع الاحتفالات بذكرى ولادة الزعيم الحبيب بورقيبة (٣ آب ١٩٠٣-٦ نيسان ٢٠٠٠)، استعاد البورقيبيون، بداية من العام الماضي، عادتهم في الاحتفاء بميلاد الزعيم باني الدولة التونسية الحديثة.

واتخذ احتفال هذا العام مفهوماً جديداً بعد صعود حركة النهضة الإسلامية إلى السلطة، وتجاوز الاحتفال المنتمين إلى الحركة الدستورية التي حكمت البلاد من ١٩٥٦ إلى ١٤ كانون الثاني ٢٠١١، إذ اصبح إرث بورقيبة قاسماً مشتركاً بين أغلب التونسيين، وخاصة الدستوريين والليبراليين واليساريين، فيما ناصبته العداء الحركة الإسلامية بأحزابها الأربعة، النهضة والتحرير والإصلاح والرحمة، الى جانب تيارات أخرى سلفية لا تعترف بالدولة المدنية، كما عاداه القوميون بسبب ضلوعه في اغتيال صالح بن يوسف الزعيم الدستوري.
وبعيداً عن الشعارات السياسية والحقد الأيديولوجي، لا يزال بورقيبة حاضراً بقوة في الشارع التونسي وفي وجدان التونسيين، ولا تزال إصلاحاته واختياراته في تعميم التعليم ومجانيته وتحرير المرأة وتفعيل الادارة وتقنينها وتحديثها وفي الصحة والتنظيم العائلي، تشهد على حكمة الزعيم الذي غادر الحكم دون أن يكون له أي مليم في رصيده البنكي ودون أن يملك بيتاً.
ويمكن ملاحظة الظاهرة الجديدة التي تجتاح تونس اليوم مع عودة بورقيبة إلى الواجهة من خلال الحسابات المفتوحة باسمه على «الفايسبوك»، ومن خلال الجمعيات التي تعنى بإحياء فكره والمحافظة على تراثه السياسي والفكري.
بالمقابل، أطلق نشطاء إسلاميون على «الفايسبوك» وبصيغة تهكمية على محبي بورقيبة وأنصاره لقب «يتامى بورقيبة»، إلا أن البورقيبيين، الذين يتضاعف عددهم كل يوم دفاعاً عن نمط العيش التونسي، يعلنون اعتزازهم بالانتماء إلى الزعيم، الذي كانت ذكرى ميلاده مهرجاناً فنياً وثقافياً توقف بعد عزله وصعود بن علي إلى الحكم.
ورغم إجماع الدستوريين واليساريين والليبراليين على أن بورقيبة قد فشل في تجربته الديموقراطية، إلا أن شفافية ذمته المالية وحبه الصوفي إلى درجة التوحد لتونس غفرا له لدى الكثيرين ممن سكنوا سجونه، كما يعتز التونسيون بما تركه الأب المؤسس للجمهورية من نمط تونسي في العيش والإدارة صمد حتى عشية ١٤ كانون الثاني، عندما هرب بن علي، كما يعتزون بإنجازاته في التعليم والصحة وحقوق المرأة وتحديث البلاد ونشر الثقافة والاهتمام بصياغة نموذج تونسي مؤمن بالتنوير والحداثة، ولعل هذا النموذج هو العقبة الكبرى التي تواجهها حركة النهضة اليوم.
لقد ربى بورقيبة التونسيين على قيم الوسطية والاعتدال والحداثة، لذلك وجدت النهضة نفسها بعد تسعة أشهر من الحكم في مأزق، فالنمط الذي صاغه الزعيم الغائب منذ ربع قرن تقريباً لا يزال حياً ومؤثراً في الشارع، ولعل هذا هو الرهان الأصعب لحركة النهضة التي تواجه إرث بورقيبة.
ولأن إرث بورقيبة تصعب تصفيته الا بعد عقود، ارتفعت وتيرة الاحتجاجات على محاولات بعض الأطراف المس بـ«ثوابت» المجتمع التونسي، فحتى محاولات «إرهاب» المفطرين باءت بالفشل، وعادت المقاهي والمطاعم إلى العمل. ولعل «النهضة» أدركت بعد أزمتها مع الاتحاد العام التونسي للشغل أنها مضطرة إلى التنازل والتراجع وإطلاق سراح الموقوفين مساء اول امس، بعدما كانت الحكومة عازمة على التصعيد، فالشارع التونسي الذي ما زال يحمل الكثير من ثقافة الزعيم الحبيب بورقيبة يبدو غير مستعد للعودة الى الخنوع والخضوع بعد ثورة ١٤ كانون الثاني.
في ذكرى ميلاد الزعيم غصت المقبرة التي تحمل اسمه في مدينته المنستير بمحبيه من كل الأعمار، ومنهم شباب ولدوا بعد مغادرته الحكم، إذ إن بورقيبة ما زال حياً في ذاكرة التونسيين، الذين اصبحوا اكثر تعلقاً به وهم يلاحظون تردي الخدمات، وتراجع السياحة وأزمة الاقتصاد، وارتفاع عدد العاطلين من العمل وضمور النموذج التونسي، لذلك اصبحت دعوات إحياء ارث بورقيبة تلقى رواجاً كبيرا في الشارع التونسي، فهل هي الولادة الثانية للزعيم؟