تونس | قبل أكثر من عام ونصف العام، خرج الجميع في سيدي بوزيد من أجل الكرامة والخبز والتنمية. لاحقاً تعرض الجميع للضرب من «بوليس النهضة» وقواها التي ظهرت بعد «ثورة 2011» والتي غيرت وجه الثورة التي هزت العالم. وسط كل هذا كان قيس البوعزيزي أول من بات يطلق عليه اسم «بوعزيزي الجديد» حاضراً. أما اليوم فيقبع قيس في السجن يعاني الويلات. في أحد سجون القيروان القريبة من سيدي بوزيد، يسرد الحقوقيون والنقابيون أحداثاً عن تعرضه للضرب والتعذيب والترهيب، وذلك بعدما رفعت حركة «النهضة» شكوى ضده بتهمة حرق شعارها أثناء اقتحام مقرها وإسقاط اللافتة الاشهارية لها وإتلاف محتويات مكتبها.

ونقل ناشط في ولاية سيدي بوزيد عن أحد رجال الأمن قوله إن قيس البوعزيزي يتعرض لكل أساليب التعذيب والتعنيف كما تسلط عليه عقوبات من قبل أعوان الفرقة الخاصة التي قدمت من تونس للتحقيق مع الموقوفين على خلفية أحداث سيدي بوزيد، مما تسبب في تدهور صحته، فيما ذكر آخرون أن المهانة وصلت حد الاغتصاب.
أحداث سيدي بوزيد وأحاديث تعذيب «البوعزيزي الجديد» قد تجعل البعض يترقب «ثورة جديدة» قد تقوم لتذكير مجالس الساسة بأهداف «ثورة قديمة»، بعدما أهملت أصولها واشتدت فروعها. البعض يطالب بتعويضات بآلاف المليارات. آخرون ينادون بالمساواة بين الجنسين، وآخرون وجدوا ضالتهم في فرض ايديولوجيات رجعية. وآخرون يعارضون ويرون في أفكارهم «تقدمية»، وكلهم يتجاذبون أهداف الثورة على حسب برامجهم السياسية. ملفات شهداء وجرحى الثورة، مكافحة فساد الساسة والإدارة، وتوزيع عادل للثروات على المناطق، يبدو أنها كانت ولا تزال حبراً على ورق.
أحداث سيدي بوزيد الجديدة جاءت لتذكّر «الترويكا» أن الثورة متواصلة، وأن هناك في الشارع من لا يزال يناضل من أجل «الكرامة والخبز»، بعدما أصبحت الصفقات السياسية هي القاسم المشترك بين أصحاب المجتمع السياسي، وظهرت في محاصصة على كراسي الرئاسات الثلاث ولتستمر على كراسي الولاة (المحافظين) والمسؤولين الساميين.
قيس من بين أولئك الذين نادوا منذ «فجر الثورة»، عند مشاركته في اعتصام القصبة الأول، بضرورة الالتفات لمنطقته التي أصبح اسمها عنواناً للبؤس وشظف العيش. صاحب الأربعة والعشرين ربيعاً كان يعتبر «أن مدينته كانت مفتاح الحرية، وأن التاريخ الحقيقي لثورة تونس هو 17 كانون الأول وليس 14 كانون الثاني، لأن من العار الاحتفال بالهروب، لأن الهروب من واقع الأمور عار».
«البوعزيزي الجديد» كان يوم خروجه عن صمته من «تهكمات الترويكا»، يقول إن الثورة مستمرة ما دامت سيدي بوزيد لم تحصل على حقها في الاستجابة لمطالب شبابها. وأضاف في حوار، يوم قبض عليه، مع صحيفة «الصحافة» التونسية «لن أعود الى تونس العاصمة أبداً (في اشارة إلى مشاركته في اعتصام القصبة الذي أطاح حكومة محمد الغنوشي الأولى». وزاد في تحدٍّ واضح لـ«الجماعة»، أنه سيبقى «في سيدي بوزيد ينتظر اليوم الذي يتغير فيه مثال التهيئة العمرانية الذي لم يتغير منذ سنة 2001». كذلك أشار إلى أنه سينتظر تغير المستشفى الجهوي الذي لا تدخل فيه المرأة لتلد إلا وتجد طريقها إلى الهلاك «نتيجة الإهمال أو قلة التجهيزات». وأكد أنه سيظل «ينتظر المصانع الكبرى لتشغيل اليد العاملة التي تستغل المعامل الخاصة جهد بعضها ولا تفيها حقها»، منتقداً خريطة توزيع التنمية. ولفت إلى أن المدن الساحلية «تحتكر المشاريع الكبرى ذات القدرة التشغيلية».
وختم كلامه قبل أن تناله يد القمع بأنه لن يعود إلى القصبة (ساحة مبنى الحكومة في العاصمة)، وأنه سيرفع صوته من هنا قائلاً «سيدي بوزيد لا تستحق التهميش والإقصاء ولا بد من استغلال ثرواتها على أكمل وجه».