تونس | رغم قيادة فصائل اليسار للاحتجاجات الشعبية وتوجيهها لاعتصام القصبة الاول والثاني الذي اسقط الحكومة الثانية لآخر رئيس وزراء في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، محمد الغنوشي، وفرضها حل الحزب الحاكم وتصفيته وحل البرلمان وتنظيم انتخابات المجلس التأسيسي وإقصاء التجمعيين منها، كل هذه الخطوات لم يجن منها اليسار الراديكالي شيئاً، إذ لم يحصل على اكثر من خمسة مقاعد فقط في المجلس التأسيسي لثلاثة أحزاب.

هذه الخيبة الانتخابية التي جعلت من اليسار موضوعاً لتندر قادة «النهضة»، الذين ينعتون اليسار بأحزاب «الصفر فاصل»، دفعت أحزاب اليسار الى مراجعة اختياراتها والتنسيق في ما بينها ومع القوى القومية من أحزاب ناصرية وبعثية، وهكذا ولدت الجبهة الشعبية التي ستعقد مؤتمرها الاسبوع المقبل. وتضم هذه الجبهة أبرز الاحزاب المنحدرة من اليسار الماركسي اللينيني والتروتسكي والأحزاب القومية بشقيها الناصري والبعثي مثل حزب العمال بزعامة حمة الهمامي و«الوطنيون الديموقراطيون»، بزعامة شكري بلعيد وحزب البعث العربي الاشتراكي بزعامة عثمان بالحاج عمر وحركة الشعب (ناصر يون) بزعامة محمد البراهمي وأحزاب يسارية اخرى.
وتلتقي كل هذه الاحزاب، التي يفوق عددها العشرة، حول المطالب الأساسية للثورة، وهي الشغل والكرامة والحرية والقطع مع الاختيارات الاقتصادية الليبرالية التي يعتبرونها مسؤولة على تفقير البلاد وتهميش الفئات الفقيرة. كذلك ترفض هذه الجبهة الاستقطاب الثنائي بين حركة النهضة ونداء تونس، وتعتبر الجبهة أن كلا الحزبين يشتركان في تكريس المنوال الاقتصادي الذي أدى إلى ثورة ١٤ يناير.
هذه الجبهة، وإن كانت تستجيب في مستوى الشعارات إلى تطلعات الفئات المهمشة والمحرومة في الجهات الداخلية، الا أن الكثيرين يشككون في نجاعتها الانتخابية بل يعتقدون أن الجبهة لن تعمر طويلاً بسبب الاختلافات حول الزعامة وصعوبة التعايش بين اليسار والقوميين وخاصة الناصريين.
هذه التحفظات، التي أبداها عدد من الناشطين، بدأت تلقى مبرراتها في الشارع السياسي، فمؤتمر حركة الوطنيين الديموقراطيين الموحد المنعقد نهاية الاسبوع الماضي شهد انسحاب مجموعة من الحركة. كما اعلن الشق الثاني في الوطنيين الديموقراطيين من مؤسسي حزب العمل الوطني الديموقراطي، بزعامة عبد الرزاق الهمامي، أن المجموعة التي شاركت في مؤتمر التوحيد لا تلزمهم مع تمسكهم بتوحيد اليسار. كذلك اعلنت مجموعة اخرى من الوطنيين الديموقراطيين تأسيس حزب جديد اسمه «الحزب الوطني الاشتراكي الثوري».
فشل الوطنيين الديموقراطيين، احد أقوى فصائل اليسار التونسي تاريخياً، في الانصهار في حزب واحد يعتبره العديدون مؤشراً على عدم قدرة الجبهة الشعبية على توحيد كل اليسار التونسي، الذي قدم المساجين والضحايا طيلة حكم بورقيبة وبن علي. ومع ذلك فليس له أي فاعلية سياسية لضعف تمثيليته في المجلس الوطني التأسيسي، رغم سيطرة اليسار شبه المطلقة على العمل النقابي والطلابي.
إذا نجحت تجربة الجبهة الشعبية، فستكون الحياة السياسية في تونس في الانتخابات المقبلة مقسمة إلى ثلاثة مكونات كبرى، وهي حركة النهضة ونداء تونس والجبهة الشعبية. اما حزبا المؤتمر والتكتل، فيبدو انهما خرجا من المنافسة، في حين يتوقع أن تتحالف أحزاب وسط اليسار، وهي الجمهوري والمسار الديموقراطي واليساري الاشتراكي مع «نداء تونس».