المجتمع المصري استقبل رسالة تونس بطرق مختلفة، مدهشة ومرتبكة، وكانت كلمة السر هي: «تونس». يضحك السائق متخيّلاً طبعة مصرية من «ثورة الياسمين»، هو ينتظر «غلطة من الحكومة». وعامل المقهى يختصر ما حدث: «الناس غيّرت الرئيس… عقبالنا». قالها على خجل، أو بتردد من يعرف الخطورة الأمنية. وفي الوقت نفسه أضيفت إليه معرفة جديدة: الأمنية قريبة من التحقق.


الرسالة وصلت أولاً إلى أشخاص تصوّروا أنهم يمكن أن يهزّوا مصر، كما هزّ محمد البو عزيزي تونس. أحرق ٤ أشخاص أجسادهم في ٤٨ ساعة، مات منهم واحد، لكنهم أربكوا الجميع. هم يريدون مشاركة جماعية في مشاكلهم الصغيرة (قطع الخبز عن مطعم، عدم القدرة على إيجاد عمل، الفشل في رؤية الابنة بعد الطلاق، الخوف من الحياة بعد التقاعد). وبهذه الرغبة في الربط بين الشخصي والعام قدّموا حياتهم قرابين للتغيير.
الحركات المعارضة خافت من ابتذال الفكرة، وتحوّلها إلى موضة تثير السخرية. والنظام أطلق جيوشه، الدينية أولاً، فتوحّد الأزهر مع الجماعات السلفية، المتحركة بإشارات من جهاز أمن الدولة، بفتاوى تكفير «المنتحرين». أما الجيش الإعلامي فكان تركيزه على وصف ما حدث بأنه عشق للشهرة ورغبة في التصوير والظهور على شاشة التلفزيون، ولهذا منعت السلطات الأمنية تصوير «عصافير النار» المصرية.
الصورة هنا خطر، يدركها من تابع ما فعلته صورة البو عزيزي، الذي تحول إلى رمز من فعل، ربما كان يومياً ومعتاداً، لكنه جمع بين شحنات لم يكن الجمع بينها سهلاً، ولا متوقعاً. فالشاب الذي حصل على شهادة جامعية وتحول إلى عاطل من العمل، يستفزّ مخاوف الآلاف من شرائح طبقة وسطى تونسية، متميزة بتعليمها (نسبة التعليم في تونس تقترب من ٨٠ في المئة). ويبدو أنه لم يكن كافياً البحث عن رزق في عربة بيع فاكهة وخضر في الشارع، وتحت وصاية جهاز أمن تربّى على قهر وقمع المجتمع وكل من يعمل خارج المافيا العائلية وحاشيتها من عصابات تضافرت مصالحها في حماية الأمن، لكي يبقى ٨٠ في المئة من المجتمع على هامش «المعجزة الاقتصادية» التي تحدثت عنها تقارير أوروبية وأميركية، وشاهدها البو عزيزي وأقرانه، لكنهم لم يقطفوا ثمارها.
هذه العناصر (إهدار التعليم الجامعي والبطالة والقهر في الشارع)، جعلت من البو عزيزي «عصفور نار» طار بجسده المحترق ليشعل الغضب في قطاعات لم تكن لتلتقي إلا على جمرة رمز بهذه القوة. الرمز هنا وليد لحظة عفوية، استطاعت أن تخرج آلاف المهمّشين عن صمتهم واستسلامهم للوقوع في أسر «عصابات السراق».
الشرارة انتقلت إلى قلب حيوي للطبقة الوسطى. طبقة يقظة في التقاط إشارة العفوية، بما تملكه من تكوين مختلف عن طبقات وسطى تربّت في أنظمة عسكرية وريفية تماماً.
الطبقة التونسية تربّت في ظل مدنية قائد الاستقلال (بورقيبة)، وتحرره النسبي من عقلية الجنرال، بما يسمح بتمدين أكثر رحابة، يعمل في خط يسير بجوار ماكينة الاستبداد القوية.
تونس مختلفة، قلب دولتها متسلّط، عسكري بوليسي، لكنه لا يمنح الجيش مساحات في السلطة تجعله مثل مصر (وربما الجزائر) يتحكّم ولا يحكم. المجتمع المدني في تونس متّسع، رغم القهر الأسطوري في سنوات بن علي، وهو ما أتاح فرصة الوجود المختلف للمرأة، وشرائح التحديث في المجتمع، وعدم استسلامها للعناصر المحافظة وأصحاب نزعات تديين الدولة.
مصر غير تونس إذاً، وهذا ما تروّج له جيوش إعلامية لنظام مبارك، لكن ليس على قاعدة اختلاف البيئة السياسية للتغيير، ولكن على أساس أن مبارك ليس بن علي، وأن هامش الديموقراطية حمى النظام والبلد من الفوضى، إلى آخر نغمة عبّرت عن ذعر مكبوت في طبقات النظام العليا. ذعر يظهر في تصريحات وزير الخارجية مثلاً وكتابات صحافيين انتفخوا بالزهو الكاذب عن «المعجزة المصرية» في الديموقراطية، وسخروا من المنتحرين بالنار. سخرية لم تر بشاعة أن يقدم إنسان على حرق جسده.
لكنه جسد أسير، ملك للدولة، منذ أن أُلغي الفرد، وأصبحت الحياة بلا قيمة، في ظل انتهاك يومي من أجهزة الأمن، تُلغى فيه الحرية الشخصية، وكرامة الجسد، وتضيق المساحات إلى درجة تدفع إلى تحويل المصريين إلى قنابل شخصية.
لكنّ «القمع لا يفيد»، درس قوي من تونس، وصل إلى مستويات مختلفة من أجهزة السلطة في القاهرة. فالهروب المخزي للرئيس بن علي، وانهيار النظام تحت دبيب الآلاف، يعنيان الكثير من الحسابات الشخصية، وعدم الأمان. فالرصاص الحي لم يحسم معركة الشارع، والحيلة لم تنفع بن علي هذه المرة.
طريقة هروب بن علي تثير الذعر في صفوف المحيطين بالسلطة، وهو ما ظهر في ارتباك البورصة وانهياراتها المفاجئة خلال الأيام الأخيرة، في إشارة يضاف إليها قلق ملحوظ في المصارف، وخصوصاً المرتبطة بشخصيات ذات سطوة.
التحايل لا ينفع والقهر لا يعيد الغاضبين إلى بيوتهم، والثروات المتراكمة بفعل منح السلطة لا تبني أسواراً عالية إلى الأبد. هذا ما قالته أول ثورة شعبية في المنطقة، منذ ثورة ١٩١٩، أزاحت الديكتاتور، ووضعت المجتمع قوة شريكة في معادلة السلطة، وبدأت من عندها موجة التحرر من «الاستعمار الوطني».
طبعة القاهرة مختلفة، على اختلاف تركيبة السلطة (وخصوصاً في ما يتعلق بقوة الجيش)، وطبيعة المجتمع المدني، ومركزية الدولة في مصر.
على الأقل اختفت، مع العاصفة الآتية من تونس، ملفات كاملة، في مقدمتها التوريث. وقد يعاد النظر في ترتيبات السلطة المصرية لانتخابات الرئاسة المقبلة بعد أشهر، وقد يقدم نظام الرئيس مبارك على مفاجآت وانفراجات لم يتوقعها أحد.