تحوّلت تونس أمس إلى مسرح للشائعات المتداولة على نطاق واسع عن فوضى أمنية تسري في البلاد من جنوبها إلى شمالها. شائعات عن عمليات خطف، ولا سيما للفتيات في المدارس والمعاهد، إضافة إلى عمليات سرق ونهب للعديد من المتاجر والمؤسسات.

أحداث لا تأتي من فراغ، فثمّة من يؤكد حدوثها وهناك من يرى أنها مضخّمة، وطرف ثالث يؤكد أنها جزء من «المؤامرة التي تحاك للبلد لفضّ الالتفاف حول المطالب الشعبية وحركة الشارع». تلك الشائعات أو الأحداث كان لها مفاعيلها على الأرض، إذ عمدت بعض المعاهد، ولا سيما في صفاقس (جنوب البلاد) إلى إغلاق أبوابها، فيما عادت بعض اللجان الشعبية، أو الأمن الذاتي، إلى العمل.
لجان شعبية كانت قد انتشرت في الأيام الأولى لفرار الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، حين عمّت عمليات السرقة والنهب، ما أثار حال الهلع لدى المواطنين. الحال هذه عادت في اليومين الماضيين خصوصاً لتنتشر بين المواطنين، لكن على نطاق أضيق، وسط إجراءات احترازية.
حتى قبل دخول حظر التجول حيّز التنفيذ في الساعة العاشرة مساءً، تبدأ الطرقات بالخلوّ من المارة. ولجأت المؤسسات إلى دوام عمل جزئي، وهو كان سارياً في الأيام الأولى التالية للثورة، لكنها ما لبثت أن عُدّلت بعد استتباب الأوضاع جزئياً. إلا أن الاستتباب لم يدم طويلاً، ولا سيما في اليومين الماضيين، إذ يرى كثيرون أن الأوضاع عادت إلى سيرتها الأولى.
رغم الإجراءات هذه، هناك من يؤمن بأن ما يجري الحديث عنه من فوضى هو نتاج شائعات وتضخيم للأحداث. ويروي نجيب، وهو سائق تاكسي في العاصمة، أنه منذ الصباح سمع أكثر من عشرين خبراً تبيّن أن غالبيتها غير صحيح، من سرقة وتحطيم وخطف. ويرى أن لا لزوم «لكل هذا الخوف، فالأمور لن تعود إلى سابق عهدها».
وسواء أكانت الأخبار صحيحة أم مجرد شائعات، فقد أدّت هدفها، ولا سيما أنها جاءت وسط إضراب ينفّذه أفراد من الشرطة في أنحاء متفرقة من تونس، منها العاصمة. الهدف من حال الهلع هذه، بحسب مصدر مطّلع، هو «تشويه صورة الثورة الشعبية في أذهان الكثير من الناس، أو دفعهم إلى الاقتناع بأن ما حققته كاف، على أساس أن المزيد من الحركة المطلبية سيقود إلى فوضى عمومية». وبالفعل فإن الكثير من التونسيين بدأوا بالتأفف علناً من التظاهرات اليومية، لأنها «عطّلت البلاد وبدأت تضر بالاقتصاد، وتثير مخاوف من انفلات الوضع الأمني».
المصدر القريب من أحزاب المعارضة التي لا تزال فاعلة، يرى أن هذه هي الغاية التي تريد بقايا النظام السابق الوصول إليها، وهي تكريس مقولة «إما نحن وإما الفوضى». ويشير إلى أن وسائل الإعلام، التي لا تزال تدور في فلك النظام السسابق، تؤدي دوراً محورياً في هذه العملية عبر تعمّدها بث الأخبار عن حالات الخطف أو السرقة، من دون تقديم أدلة على حدوثها بالفعل.
ويقرّ المصدر بأنه قد تكون هناك عمليات خرق للقانون، لكنها شيء طبيعي في كل بلاد العالم، «ولا يجدر تقديمها على أنها حال عامة توجب وضع العباد في هذه الحال من التأهب الأمني». ولا يستبعد أساساً أن يكون هناك دور لـ«ميليشيات النظام السابق في خلق هذه الأجواء في البلاد، ودفع الناس إلى المطالبة بالنظام الأمني السابق». ولا يرى فاصلاً بين شائعات الفوضى والإضراب الذي تنفّذه عناصر الشرطة، بل ينظر إلى هذا التزامن بكثير من الريبة، ولا يتوانى عن وصفه بأنه «مؤامرة مدبرة». ويشير إلى أن إضراب رجال الشرطة ليس بريئاً في هذه الفترة تحديداً. وهو إذ يؤكد أحقيّة بعض المطالب التي يرفعها رجال الأمن، ولا سيما تأسيس نقابة أو تنحية بعض رموز النظام السابق من المؤسسات الأمنية، يرى أهدافاً خفيّة لهذا التحرّك.
أهداف يقسمها المصدر إلى جزءين، الأول هو أن رجال الشرطة يسعون إلى تجنّب المحاسبة عن الأحداث التي وقعت خلال الثورة، والشهداء الذين سقطوا، إذ يرون أنهم قد يقدمون «كبش فداء» في العملية هذه، بينما هم كانوا ينفّذون أوامر من هم أعلى منهم رتبة. ولا يستبعد أن تكون الرتب الكبيرة هي جزء من هذا الإضراب لتحقيق الجزء الثاني من الأهداف، وهو الإبقاء على التركيبة الأمنية نفسها، على أنها الوحيدة القادرة على «ضبط البلاد».
وبين الحقيقة و«المؤامرة» لا يشعر غالبية التونسيين بالارتياح، ويترقبون بفارغ الصبر عودة الأمور في البلاد إلى طبيعتها. عودة قد لا تكون متيسرة في المدى القريب، ولا سيما أن مخاض العملية الانتقالية لا يزال عسيراً.