البقاع ــ ينتظر محمد خير اللّه وثلاثة آخرين من التابعيّة المصرية اتصالاً هاتفياً من «المهرّب» الذي سينقلهم سيراً على الأقدام إلى سوريا، ثم إلى الأردن، ليدخلوا منها إلى بلادهم بطريقة شرعية عبر الحدود البرية. هؤلاء وصلوا إلى لبنان بصورة غير شرعية بحثاً عن واقع آخر يقيهم البطالة. لكن مشهد الأحداث المتلاحقة في ميدان التحرير بات يستعجلهم للعودة إلى مصر. محمد يريد أن يصل القاهرة خلال يومين كحد أقصى «مهما كلّفني ذلك». الشاب لم يستطع إخفاء خوفه على ذويه وزملائه في البطالة من رصاصات «الغدر» التي تطلقها الشرطة المصرية، رغم أنه حاول تغليف خوفه بابتسامة أمل بغد مشرق لبلاده. يظهر ذلك في جوابه عن سبب اختياره العودة إلى مصر بينما فضّل آخرون الهروب. يتنهد قائلاً «عيب ألا أكون إلى جانب أهلي وشعبي. هم بحاجة إلينا، بل هم بحاجة إلى كل شباب مصر».

محمد المهندس، تمكّن من دخول الأراضي اللبنانية بطريقة غير شرعية مع مجموعة من شباب جيله منذ ثلاثة أشهر، بعد رحلة شاقة وطويلة محفوفة بالمخاطر. سار وأصدقاءه مسافات طويلة في جرود باردة ووعرة. اضطر إلى بيع أشياء ثمينة يملكها ذووه، ليعمل ناطوراً في أحد الأبنية في البقاع. عزم الشاب على العودة إلى «أم الدنيا» ليكون له شرف المشاركة في ثورة «تمنّيتها منذ وعيي على هذه الدنيا. من يصدق أن الشعب المصري استطاع أن يقول كلمته».
لا يبدو محمد قلقاً من انتظار «المهرّب»، أو أن تفوته الثورة. يبدو واثقاً بصبر شعبه وإصراره على المتابعة حتى النهاية. يقول إن «ثورة الغضب لا يمكن أن تهدأ» ما لم يتنحَّ «الريس والطقم الحاكم»، رغم أنه على يقين من أن مبارك «لن يسلمها بالسهل بدليل ترك البلطجية يسرقون الثورة».
حال محمد لا تختلف عن حال رفاقه خالد أحمد، وإسماعيل منصور، وحسين حمدي، الذين يعملون في محطة وقود في البقاع. يشعر خالد بالضيق لعجزه عن المشاركة في التظاهرات أمام السفارة المصرية. فوضعه غير الشرعي يُحتّم عليه عدم التنقّل بين شتورا وبيروت. يقول «سنذهب إلى القاهرة لنشارك إخواننا ونقف معهم في وجه الطاغية وزمرته». يتنهّد محاولاً إخفاء عصبيته التي تظهر كلما تذكّر أسباب هروبه من بلده، ليعمل في محطة وقود في لبنان، بعدما فشل في نيل وظيفة باختصاصه في إدارة الأعمال. يقول: «مين الّلي بهدلنا غيرك يا ريس».
إسماعيل يبدو أكثر هدوءً. يلجأ إلى التحليل السياسي. يقول إنه «لو خيّروه بين ما قدّمه مبارك على أثر التظاهرات، من إقالة الحكومة إلى إعلانه عدم ترشّحه في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وقبول الطعون في الانتخابات البرلمانية، وبين المعارض محمد البرادعي، «فطبعاً سأختار مبارك. لأنّ البرادعي جاي يركب ثورة شعب جائع وعاطل من العمل». ينتقل إلى الحديث عن خطط الإخوان المسلمين: «إذا حكموا فسيكون الوضع أكثر سوءاً»، إلا أنه يقول إنه يرغب وأصدقاءه في المشاركة في اعتصامات ميدان التحرير إلى جانب اليساريين المناهضين للعملاء وللعلاقات مع إسرائيل وأميركا. فالمصريون لن ينالوا مطالبهم وطموحاتهم إلا إذا احتكموا إلى نظام علماني ديموقراطي، مستقل، معني بجميع القضايا الاجتماعية والعربية.
حسين حمدي من جهته أصر على سقوط مبارك. قال «المهم هو سقوط أبو الهول، ثم نرى من سيختار الشعب». يبدو سعيداً لأن الشعب المصري استطاع كسر جدار الخوف، «والذي يأتي بعد مبارك سيحسب للشعب ألف حساب»، مذكّراً رفاقه بأنهم قبلوا شروط المهرّب، وكلفة 200 دولار مقابل نقل كل فرد منهم إلى سوريا، و800 دولار مقابل نقلهم إلى الأردن ثم مصر. يضيف «كل هذا كرمال مصر، وكرمال نشارك في الثورة والتغيير».
حان دور المهرّب أبو حسان (اسم مستعار). يبدو ناقماً على الثورة التي انعكست سلباً على عمله بعد تراجع مردوده من عمله في تهريب المصريين من داخل لبنان وإلىه خلال الشهر الفائت، لافتاً إلى أنه منذ بدء ثورة الياسمين في تونس، «خفّ شغلنا بنسبة كبيرة». يعترف بأن «عمله كمهرب يعتمد على أبناء الدول التي تعاني ارتفاع نسبة البطالة».