ينغمس الحاج محمد رشدي في هتاف ساخن حتى يفقد صوته تقريباً، فينسحب من الزحام باتجاه الرصيف بعيداً عن قلب التظاهرة، يشرب رشفة مياة من زجاجة يتبرع له بها أحد الشباب. يظل صدره يلهج والعرق يتصبب من رأسه ومع ذلك تخرج شعارات الرفض من فمه لاشعورياً.

يلتفت إلى الشباب الواقفين حوله ويرفع يده ليدعو لهم «ربنا يبارك لكم، ويحميكم لشبابكم.» ومن وسط الشباب الواقفين يلمحني أحاول إجراء اتصال هاتفي فيقترب مني ويهمس «سامحني يا ابني».
علامات الاستغراب والدهشة سرعان ما يبددها الحاج رشدي بتأكيده أنه «طالما هاجم الشباب وانتقدهم في كل مكان»، ينظر في الأرض قبل أن يضيف «أنا أساساً كنت موظفاً في وزارة الشباب» ويتابع «دائماً كنت أقول عليكم جيل ضائع، وبنتي طوال اليوم تجلس على الكمبيوتر أو قنوات الأغاني، كنت أعتقد أنكم ستضيّعون البلد، لكن الآن تبين لي أني كنت على خطأ».
الصدفة وحدها قادت الحاج رشدي إلى ميدان التحرير، فقد سمع عن التظاهرات يوم الخامس والعشرين من كانون الثاني لكنه لم يهتمّ، حتى ذهب لصلاة الجمعة في مسجد مصطفى محمود حيث شعر بأن هناك شيئاً مختلفاً، مشى مع الجماهير من الجامع، وحينما تعرضت التظاهرة لقنابل الدخان حاول البحث عن وسيلة للفرار والعودة إلى منزله ومتابعة الأخبار على شاشات قنوات الفضائيات.
«من التلفزيون عرفت أكثر عما حدث وما يحدث، وكيف أن السبب في تلك الثورة هو أنتم شباب الفايسبوك» يقول الحاج رشدي الذي تطوع في اللجان الشعبية في حي العجوزة، حتى استطاع العودة مرة ثانية إلى ميدان التحرير يوم الثلاثاء الماضي، حيث أتى للميدان وفي نيته الاعتصام حتى رحيل مبارك.
يخرج هاتفه المحمول ويقول «ممكن آخد رقم تليفونك؟ أنا عايز أعرّف ولادي عليكم علشان يتعلموا منكم».