القاهرة | توجهت منى المصري صباح الخميس الماضي إلى مقر عملها في مركز هشام مبارك في شارع التوفيقية. بدت لها المنطقة غريبة في ذلك الصباح. حال توجس وعدائية غير مفهومة من السكان. قبل صعودها إلى مقرّ المركز، حذّرها حارس البناية من أن رجال الأمن في طريقهم لإلقاء القبض على من فيه.

منذ أيام يبث الإعلام الرسمي الكثير من الشائعات عن وجود عملاء. وبرعاية وزير الإعلام الحالي أنس الفقي وبعض أبواق النظام، نمت عدائية داخل المجتمع القاهري.

فكل أجنبي أصبح محل شك، وحتى المواطنون المصريون ذوو الملامح الشقراء أصبحوا محل ريبة. وحسبما يوضح أحد مؤسسي مركز هشام مبارك، سيف الإسلام عبد الفتاح، فقد تقدّم بعض أهالي المنطقة في ذلك اليوم ببلاغ لقوات الأمن بوجود أجانب في المركز.
عند الساعة الواحدة كان هناك نحو 35 شخصاً في المركز، عاملون ومتطوعون وصحافية فرنسية وممثلة لمنظمة «هيومان رايتس ووتش» سورية الجنسية. حاول بعضهم الخروج من المركز، لكن الأهالي أغلقوا الباب ومنعوهم. بعد نحو نصف ساعة سمع الموجودون طرقات حادة على الباب. اقتحمت المكان مجموعة من البلطجية مع بعض رجال الأمن في زي مدني المكان. «كان معهم الكثير من السكاكين والعصي وأدوات البلطجة»، تروي منى. وتقول: «طلبوا منا الجلوس على الأرض وإخراج كل ما في جيوبنا، وكل من كان يرفض أو يقاوم كان يتعرض للضرب والإهانة، وجمعوا الهواتف النقالة، وكل أوراق القضايا، وفككوا القرص الصلب للكمبيوتر، وسطوا على الأجهزة الشخصية، وقيدوا أيدينا فوق رؤوسنا».
لكن الأكثر رعباً هو ما حصل بعد ذلك: «أخرجونا إلى مدخل البناية، وأخذ البلطجية يكسرون كل محتويات المركز، بينما تجمع أكثر من ألفي شخص في مدخل العمارة يهاجموننا ويتهموننا بالعمالة والخيانة»، طبقاً لرواية منى، التي أضافت أن رجال الأمن في الزي المدني أخذوا يهددونهم قائلين: «إن حاولتم الخروج أو الهرب فسنترك المدنيين يذبحونكم».
ثلاث ساعات وصلت بعدها الشرطة العسكرية. وعلى صوت هتافات أنصار مبارك «مش هيمشي هما يمشوا»، أخرجت الشرطة المعتقلين ونقلتهم إلى أحد المعسكرات. في المعسكر التقطت لهم الصور من دون طرح الأسئلة. نُقلوا بعدها إلى حافلة، حيث فُكت قيودهم، وبدأت لهجة ولغة الحوار تصبح أكثر احتراماً، لكنهم عصبوا أعينهم إلى أن وصلوا إلى أحد مقارّ الاستخبارات الحربية.
تُرك المعتقلون في العراء داخل أسوار ذلك المبنى الغامض وعيونهم معصوبة، ثم حُقِّق مع كل شخص منهم على حدة معصوب العينين. وطُرحت عليهم أسئلة معظمها شخصية أو تدور حول طبيعة علاقتهم بالمركز. تقول منى: «الناس هناك تعاملوا معنا بود، لكن الداخلية اعتدت علينا وسطت على بعض ممتلكاتنا».
وضعوهم في العراء، وحينما اشتكوا من البرد وزعوا عليهم بعض الأغطية، وقالوا لهم: «ما إن ينتهي حظر التجوال نفرج عنكم». لكن حظر التجوال انتهى ولم يفرج عنهم. وأعيد التحقيق مرة ثانية مع محقق آخر.
حلّ الليل وبدا واضحاً أن المعتقلين سيقضون ليلة أخرى في هذا المكان المجهول. لكن نظراً لانخفاض درجات الحرارة وسوء الطقس، طلب المعتقلون هذه المرة النوم في غرفة مغلقة وعدم تركهم في العراء، وهو ما حدث بالفعل. لكن في الغرفة لم يكن هناك سوى بعض المقاعد، لا بطانيات ولا أغطية لاتقاء البرد. وطوال هذه المدّة لم تُقدَّم لهم وجبات لهم، وحينما كان المعتقلون يشعرون بالجوع ويطلبون شيئاً من الطعام، كان يُقدَّم لهم ثلاثة أرغفة وطبق من المربى لخمسة وثلاثين فرداً.
في الصباح بدأ المعتقلون يطالبون بالخروج، ما دام لم توجه إليهم أي تهم رسمية. حضر ضابط رفيع المستوى وألقى محاضرة طويلة، علقت في ذهن منى جملة «يا أخي اعتبر أبوك متجوز أربعة، وبيصرف على واحدة أكثر من الثانية هتعمل إيه يعني؟ هتقتله؟ اصبر عليه شوية».
بعد ذلك فكوا العصابات، وأرجعوا بعض متعلقات المعتقلين الشخصية. وعندما طلب المعتقلون الحصول على باقي متعلقاتهم، أجابوهم بأنها لم تصلهم، وفي الغالب أخذتها الداخلية والبلطجية قبل أن يُفرج عنهم.