القاهرة ــ اليوم الخامس عشر. ثورة النيل تفتتح مرحلة جديدة عبّر عنها احتلال المتظاهرين شارع القصر العيني ومحاصرة مجلسي الشعب والشورى وتعليق لافتة «مُغلق حتى إسقاط النظام» على أسوار البرلمان بعدما رفض الجيش تعليقها على البوابة الرئيسية.

نقلة كبيرة تتزامن مع وصول عدد المتظاهرين إلى رقم قياسي، يقترب من مليونين في ميدان التحرير وحده، إلى جانب تظاهرات في الإسكندرية (نحو ٥٠٠ ألف) والمنصورة والمحلة الكبرى وطنطا والعريش وبني سويف والبحيرة ومدن مصرية أخرى.
حقيقة ترجمتها وكالات الأنباء العالمية بوصف يوم أمس بأنه كان الأكثر حشداً منذ انطلاق «ثورة النيل» في 25 كانون الثاني الماضي، والأكثر رمزية بما أن الاعتصام وصل إلى صحيفة «روز اليوسف» ووزارة الداخلية ومستشفى القصر العيني ومبنى رئاسة الحكومة وزارة الصحة والتلفزيون الحكومي ونقابة الصحافة.
المليونية الثالثة كانت الأهم، وتنذر الرابعة بأرقام أكبر يوم الجمعة، وخاصة مع تفكير منظميها بالوصول إلى القصر الجمهوري أو «قصر العروبة»، وتصعيد اعتصام ميدان التحرير ليشمل ميادين أخرى حتى يرحل النظام. هو نظام بدأ بتحولات تسير باتجاه البيروقراطية، واستخدام سلاحها المجرَّب منذ ٣٠ سنة بهدف امتصاص رغبات التغيير أو تحويلها إلى نقطة تذوب في بحر لجان ومناقشات يديرها طهاة النظام المحترفون. فقد أعلن نائب الرئيس عمر سليمان، صباحاً، قراراً جمهورياً بتأليف ٣ لجان، إحداها دستورية تشرف على تعديلات الدستور، والأخرى لجنة الحوار مع المعارضة، والثالثة لجنة تقصّي حقائق.
المهم في قرار الرئيس حسني مبارك الذي أعلنه سليمان، اللجنة الدستورية ومهمتها «وضع التعديلات المطلوبة» التي ستمهّد خصوصاً للانتخابات الرئاسية الجديدة مع قرب انتهاء ولاية الرئيس في شهر أيلول.
وقال سليمان، في تصريح في ختام اجتماع مع الرئيس، إن مبارك «وقع قراراً جمهورياً بتأليف اللجنة الدستورية التي ستضع التعديلات المطلوبة للدستور وما تقتضيه من تعديلات تشريعية». لجنة ستقود خريطة طريق لـ«انتقال السلطة» مثلما يتخيلها النظام. والمصطلح الذي استعاره سليمان من خبراته في المفاوضات الفلسطينية، لا يعني بالنسبة إلى الثوار سوى «خريطة تضييع الطريق» لتمتص البيروقراطية العتيدة في نظام مبارك، الثورة، وتضعها في مسارات لا تؤدي إلا إلى استمرار النظام.
سليمان ألقى بيانه، بينما الملايين تهدر في ميدان التحرير: «الشعب يريد إسقاط النظام»، لتضيف هتافاً جديداً «الجيش جيشنا ومبارك موش رئيسنا»، وهو تطوير في الشعار يذكّر بأن الجيش ملك للشعب ويحمي الشعب ولا يحمي الرئيس.
مصادر قريبة من الدبلوماسية الأوروبية في مصر تحدثت عن سيناريو صحي، يغيب فيه الرئيس عن الساحة بعد توقيعه قرار تأليف اللجنة الدستورية، ويسافر في رحلة علاج إلى ألمانيا (بحسب مجلة «دير شبيغل» المستندة إلى تصريحات للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل)، رغم أن سليمان عاد مساءً لنفي فكرة السفر إلى ألمانيا أو إيطاليا، وذلك في لقاء مع رؤساء تحرير الصحف المصرية.
كلام أضاف إليه سليمان نغمته المفضّلة عن المؤامرة الأجنبية باختصاره عناصر الأزمة الحالية بـ«التدخلات الخارجية، ومنها ما هو سياسي ومنها ما هو خاص ببعض العناصر التي تحاول التدخل وتوفير سلاح أو تهديد الأمن القومي في شمال سيناء»، وذلك بعدما طمأن إلى أن مبارك «يؤيد التداول الحقيقي للسلطة وليست لديه مشكلة في تحقيق ذلك، لكن لا بد من التفكير في مواصفات الرئيس المقبل وتوجهاته». ثم عاد ليلاً، في تصريح لوكالة «أسوشييتد برس»، ليهدّد ويتوعد بأنه «لن تكون هناك نهاية لهذا النظام ولا مغادرة فورية لمبارك»، وأنه «لا يمكن مصر تحمّل استمرار التظاهر في ميدان التحرير».
إلا أن السيناريو الصحي لاختفاء مبارك عن مصر ليس بعيداً، وينزع الحرج عن قيادات ما بعد مبارك، لكنه يضع الثورة في مهب أسئلة صعبة: ماذا إذا اختفى مبارك وبقي نظامه؟ سيناريو آخر بدا في الأفق مع زيارة وزير الخارجية الإماراتي لمبارك، وفسّره المراقبون على أنه يحمل دعوة إلى مبارك للإقامة بعيداً عن الملاحقات القضائية في دول أوروبية تنشط فيها الهيئات الحقوقية لمحاكمة الرئيس عن جرائم التعذيب والقتل والفساد. وأشار مراقبون آخرون إلى أن الزيارة الإماراتية حملت دعماً مالياً عبر شراء سندات مصرفية أسهمت في رفع قيمة الجنيه المصري بعد ١٥ يوماً من الانهيار في وجه الدولار.
ويبدو أن زخم الثورة في مليونيتها الثالثة قد شحن بطاريات جديدة في مجالات أخرى، إذ نشط القانونيون ورفضوا الاعتراف بلجنة مبارك لتعديل الدستور برئاسة أشهر طهاته وخدمه في جهاز القضاء (المستشار سري صيام)، المسؤول عن كل التشريعات المشبوهة خلال السنين العشرين الأخيرة. والآن، بدأ يتبلور اقتراح كبير بالمطالبة بإسقاط دستور عام ١٩٧١ الذي قام مبارك بترقيعه عدة مرات وحكم به طوال السنوات الـ٣٠.
إسقاط الدستور لا يتردد فقط في أوساط الثوار، لكن أيضاً داخل مستويات قضائية رفيعة، حتى إن نائبة رئيس المحكمة الدستورية العليا المستشارة تهاني الجبالي، أعلنت في أكثر من موقف «سقوط الشرعية الدستورية بعد ٢٥ كانون الثاني».
على مستوى آخر، تقدم «المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة» و٢٤ منظمة حقوقية ببلاغ عاجل إلى النائب العام يطلب محاكمة آجلة لوزير الإعلام أنس الفقي بتهمة التحريض على قتل المتظاهرين وإثارة البلبلة في المجتمع وتضليل الرأي العام.
الهجوم على جهاز الدعاية السوداء لنظام مبارك يتزامن مع بداية التحقيق مع وزير الداخلية السابق حبيب العادلي أمام نيابة أمن الدولة العليا بتهمة «الخيانة العظمى»، وفق مصادر صحافية، حيث يواجه الرجل اتهامات بتفجير كنيسة القديسين وقتل المتظاهرين، ومسؤولية قرار انسحاب الشرطة من الشوارع، وفتح أبواب السجون أمام المساجين لنشر حالة الفوضى.
دائرة الثورة تتّسع إذاً، والثوار يحاولون تكوين جسم واحد يستطيع إدارة المعركة مع نظام محترف في امتصاص الصدمات، وكاد ينجح فيها بعدة أساليب، لكن التلقائية تتخذ طريقاً مختلفا بعد ١٥ يوماً تكسّرت خلالها الحواجز النفسية التي حاول النظام وماكيناته الدعائية محاصرتها بها، وتناثرت ثورات صغيرة ضد نقيب الصحافيين ورؤساء تحرير يمثّلون كتيبة النظام الإعلامية، إلى جانب اعتصامات عمالية في قناة السويس وشركات تابعة لقطاع الأعمال. لكن الكتلة الكبيرة للعمّال لا تزال غائبة، فيما حضرت اليوم فئة كبيرة من أساتذة الجامعة في مسيرة ضخمة اخترقت الشوارع من جامعة القاهرة إلى ميدان التحرير.
ستحمل الأيام المقبلة مفاجآت جديدة، تضم قطاعات أخرى من المجتمع المصري، وشرائح لم تلحق بالأيام الأولى للثورة، ويتأكد كل يوم أنها «ثورة شعبية»، تقودها أساساً الشرائح المتعلمة من الطبقة الوسطى، وتتجمّع حولها قطاعات واسعة من المجتمع ممن لا يتخذ طابعاً دينياً، لكنها تهدف إلى هدم جمهورية التسلط لبناء «مصر الجديدة».
يبقي الضغط الدولي المتردّد هنا عامل قوة لدى نظام مبارك. هو «مجتمع دولي» ساعٍ لاستبدال مبارك بـ«مبارك آخر» هو سليمان مثلما تحلم إسرائيل، وقوتها الدافعة في واشنطن التي غيّرت موقفها ليصب في خانة «ضرورة استمرار وجود مبارك». وكان نائب الرئيس الأميركي جوزف بايدن قد دعا سليمان، في اتصال هاتفي، إلى إلغاء قانون الطوارئ فوراً، وإلى «توسيع الحوار حول العملية الانتقالية السياسية بحيث يشمل مجموعات إضافية من المعارضة». ورأى البيت الابيض أن تعليقات سليمان عن أن مصر «ليست جاهزة للديموقراطية»، هي تعليقات «ليست مفيدة».