«إيران تولد من جديد». بهذه العبارة يعبر المعنيون في طهران عن فرحتهم بانتصار الشعب المصري الذي «أعاد التوازن إلى المنطقة»، حيث باتت «هزيمة إسرائيل» على مرمى حجر. فرحة تصل حد النشوة عندما يتنبه أبناء الجمهورية الإسلامية إلى أن سقوط حسني مبارك يتزامن مع ذكرى الثورة الإيرانية الذي يصادف في 11 شباط من كل عام. بل أكثر من ذلك. سرعان ما يتذكرون مقولة للإمام الخميني، قالها بعد وفاة أنور السادات في عام 1981، مفادها أن الشعب المصري إن لم يهب فوراً ويعد إلى مصر روحها، فإنه سينتظر 30 عاماً ليثور مجدداً.

«هو الشعب المصري الذي جدد روح الخميني والخمينية والمشروع الإيراني وانتصر على المشروع الأميركي وأسقط كامب ديفيد»، تقول مصادر قريبة من أروقة صناعة القرار في إيران، مشيرة إلى أن «العين اليوم على الجيش. مواقفه وخياراته خلال الفترة المقبلة هي التي ستحدد الوجهة التي ستتخذها مصر خلال الفترة المقبلة. لكن الزلزال قد حصل. هبّة الشعب المصري لا مجال لأن يعيدها أحد إلى الوراء».
وكان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد قد قال، قبيل سقوط مبارك، إن «الثورة التونسية، والانتفاضة في مصر ... تمثلان صحوة إسلامية تشبه ثورة إيران». وأضاف أن «النصر وشيك. اقتربت القوى المتغطرسة من النهاية. أمتنا تدعم اختياركم». وتابع إن الشرق الأوسط «سيتخلص قريباً من الولايات المتحدة وإسرائيل، وسينشأ شرق أوسط جديد قريباً. شرق أوسط ليس فيه مكان للقوى المتغطرسة»، مضيفاً: «عليكم تفكيك النظام الصهيوني لأنكم أنتم الذين فرضتموه».
ويأتي سقوط مبارك قبل يومين من وصول الرئيس التركي عبد الله غول إلى إيران الأحد، في زيارة تستمر أربعة أيام تستهدف تعزيز العلاقات بين البلدين. ويرافق غول وفد رسمي ضخم مكون من نحو 300 شخص، بينهم 135 مسؤولاً حكومياً وأكثر من 100 رجل أعمال. ويضم الوفد أربعة وزراء، يتقدمهم وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو.
ويتوقع أن يلتقي غول، الذي يزور طهران للمرة الأولى بصفته رئيساً لتركيا، بنظيره الإيراني محمود أحمدي نجاد ونائبه محمد رضا رحيمي ووزير الخارجية علي أكبر صالحي ورئيس البرلمان علي لاريجاني، على أن يجول ـــ في خلال الزيارة ـــ على مدينتي تبريز وأصفهان يومي الثلاثاء والأربعاء.
وتقول المصادر القريبة من أروقة صناعة القرار في طهران إن هذه الزيارة «بالغة الأهمية، ومتعددة الأهداف». وتضيف أن «أول هذه الأهداف رفع مستوى التعاون بين البلدين إلى درجات رفيعة جداً على مستويات الاستخبارات والأمن والتجارة، وخاصة أن طهران قد حسمت خيارها منذ مدة بأن تؤدي تركيا بالنسبة إليها الدور الذي كانت تؤديه الإمارات»، مشيرة إلى أن «هذه الغاية هي التي كانت محددة في الأصل منذ بدء التخطيط للزيارة قبل أسابيع».
وتتابع المصادر نفسها، قائلة إن «بنداً جديداً طرأ على جدول الأعمال، بفعل التطورات التي شهدتها المنطقة أخيراً، وهو بحث وضع المنطقة في أعقاب ما حصل في تونس ومصر». وكان أوغلو وصالحي قد تبادلا، في اتصال هاتفي معلن يوم الاثنين الماضي، وجهات النظر حيال التطورات في المنطقة، وخاصة ثورتي مصر وتونس والاضطرابات في اليمن والأردن، علماً بأن «ثمة خطاً ساخناً مفتوحاً بين الرجلين اللذين يتحادثان يومياً»، على ما تفيد المصادر نفسها.
وتوضح المصادر أنه «على المستوى الجيوستراتيجي، يفترض أن تخرج القمة بتوافق على أنّ من الممنوع منعاً باتاً حصول أي مس بالجغرافيا السياسية للمنطقة وفق جدول الأعمال الأميركي، بمعنى أن لا دولة كردية ولا دولة علوية ولا...». وتضيف: «على المستوى الأمني، التأكيد أن لا ثورة فايسبوك ولا ثورة تويتر يمكن أن تنجح عندنا. وضعنا الأمني ممتاز، ولا يمكن أحداً أن يدخل إسفيناً بيننا. لا تركيا ستكون قاعدة ضد إيران ولا العكس». وتتابع: «إن الرئيسين لا شك في أنهما سيبحثان التعاون في الملفات الثلاثة الرئيسية في المنطقة: لبنان وفلسطين والعراق».
وتكشف المصادر نفسها عن أن «العلاقة بين نجاد وصالحي في حالة تناغم تام، خلافاً لما كانت عليه الحال أيام (الوزير السابق منوشهر) متكي». وتقول إن «خطة صالحي تقوم على فكرة ضرورة تسريع العمل الدبلوماسي الإقليمي باتجاه مواجهة التشققات التي ستنجم عن سقوط النظام في مصر وما يمكن أن يحصل في السعودية، ملء الفراغ الاستراتيجي الذي خلفه الانكسار الأميركي في المنطقة». وتضيف أن ذلك، من وجهة نظر صالحي، يكون «عبر تعاون إقليمي واسع. يجب الخروج من الدائرة الضيقة للمحور السوري الإيراني غير القادر وحده على استيعاب التطورات وملء الفراغ. يجب التفاهم مع أكبر عدد من القوى، سواء تلك التي تتداعى مثل السعودية، وتلك التي تتنامى مثل تركيا». وتشير إلى أن صالحي «يخشى أن تؤدي تداعيات سقوط النظام المصري وما يمكن أن يتبعه من تطورات في السعودية، إلى انفلات أمني في المنطقة ليس من مصلحة إيران، لذلك هو يقول بالإدارة المشفقة لسقوط الأنظمة المتحالفة مع أميركا»، مشددة على أن «أول تداعيات السقوط المصري هو انفراط معسكر الاعتدال العربي».
وتختم المصادر نفسها بالقول: «وكأن حلفاً إقليمياً في طريقه إلى التكوّن لكسر المعادلة القائلة: لا قوى الممانعة الإقليمية قادرة على إطاحة النفوذ الأميركي في المنطقة، ولا العكس. حلف على طريقة حلف بغداد (الذي ضم عام 1955 بريطانيا والعراق وتركيا وإيران وباكستان رغم أن الفكرة أميركية)، لكن من دون غطاء أجنبي، مهمته خوض نوع من التدافع مع الأميركي للانتقال من حال المساكنة القائمة حالياً إلى حال الغلبة الإقليمية».
وفي السياق، يقول السفير الإيراني لدى أنقرة بهمن حسين بور إن «المشاورات بين كبار مسؤولي البلدين خلال الزيارة الرسمية للرئيس التركي لإيران، بشأن التطورات الدولية والإقليمية، ستكون مهمة في إقرار الاستقرار ودعم العلاقات الإقليمية»، مشيراً إلى أن زيارة غول لإيران تأتي رداً على زيارة نجاد لتركيا، وكاشفاً عن أن طهران وأنقرة ستوقعان عدداً من الوثائق في خلالها.
ويوضح حسين بور أن من بين مرافقي غول وزراء الخارجية والطاقة والثروة الطبيعية، إضافة إلى مساعدي بعض الوزارات والدوائر كالجمارك ومؤسسة الاستثمارات الأجنبية وكذلك وزارة الثقافة والسياحة والخارجية.
وارتفع التبادل التجاري بين تركيا وأنقرة خلال سنوات قليلة من 5 مليارات دولار إلى 11 مليار دولار. ويأمل الطرفان أن يرفعا هذا الرقم إلى 30 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، على ما أعلن صالحي خلال اجتماع اللجنة المشتركة للتعاون الاقتصادي التي عقدت في طهران الأحد الماضي.
ويقول رئيس مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي رفعت هيسارشيك أوغلو، الذي سيلقي الاثنين كلمة أمام منتدى الأعمال الإيراني التركي برعاية نجاد وغول، إن العلاقة بين الجانبين «تمر بأفضل أيامها بفضل العقوبات الدولية المفروضة على إيران».