نيويورك| «التدخل العسكري السعودي والإماراتي في البحرين لا يخدم الاستقرار الإقليمي، ولا يفيد مصلحة شعب البحرين الذي يمتلك مطالب مشروعة تستحق التلبية». بهذه العبارات شخّص نائب رئيس وزراء تركيا، بولنت أرينج، في حديث إلى «الأخبار»، الوضع في البحرين التي يعيش غالبية شعبها في ظل الأحكام العرفية.


وأكّد المسؤول التركي أن حكومته تتابع الشأن البحريني بدقة وبقلق. وأضاف أن الاتصالات مع القيادة البحرينية لم تنقطع، وأنّ البحرينيين «يصغون للموقف التركي باهتمام»، مشيراً إلى أن وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو توجه إلى المنامة لهذه الغاية، عقب زيارة رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان للعراق.
لكن داوود أوغلو أكّد عقب لقائه المسؤولين في البحرين أنه لا وساطة تركية في البحرين، بحسب ما نقلت عنه وكالة أنباء البحرين «بنا». وكان قد التقى رئيس الحكومة البحرينية خليفة بن سلمان آل خليفة، وقال، بحسب «بنا»، إن «بلاده لا تقبل ولا ترضى بأي ضرر أو سوء يلحق بمملكة البحرين، وتقف دائماً مساندة لدول مجلس التعاون، وخاصة البحرين، ويهمها المحافظة على الاستقرار والتوازن في الخليج العربي».
وشدّد على «الأهمية الاستراتيجية التي تمثّلها البحرين إقليمياً ودولياً»، مبدياً حرص بلاده «على وحدة المملكة واستقرارها ورفضها لأي تدخل أجنبي في شأنها الداخلي». وأعلن تأييد تركيا للإجراءات التي اتخذتها السلطات البحرينية لحفظ أمنها واستقرارها.
ورغم أن وكالة الأنباء ذكرت أنه لا وساطة تركية حملها الضيف لحلّ الأزمة والتوسط بين السلطة والمعارضة، نقلت صحيفة «حريات» التركية عن مصادر دبلوماسية تركية أن داوود أوغلو سيلتقي بقيادات المعارضة في البحرين.
وكان داوود أوغلو قد أجرى قبيل توجهه إلى المنامة اتصالاً بنظيره الإيراني علي أكبر صالحي. وقالت وكالة أنباء «مهر» الإيرانية إنهما «أكدا في هذا الاتصال الهاتفي ضرورة إجراء المشاورات بين الجانبين للمساعدة على إيجاد حل للأزمة الراهنة في البحرين، نظراً إلى الأوضاع الحساسة، بحيث تتضمن تحقيق المطالب الشعبية المشروعة والقيام بإجراء الإصلاحات المتوخاة، من دون وجود قوات أجنبية». وهذه إشارات تدل على جهود تركية حثيثة في هذا الاتجاه، ولا سيما بعد زيارة رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان الأخيرة للعراق، ولقاء المرجع الديني البارز علي السيستاني، الذي طلب منه التوسط لتحقيق المطالب المشروعة للمعارضة. من جهة ثانية، ذكرت وكالة أنباء الأناضول التركية أن داوود أوغلو سينتقل، بعد المنامة، إلى العاصمة السورية دمشق. وتجدر الإشارة إلى أن زيارة داوود أوغلو تزامنت مع زيارة لنظيره الكويتي الشيخ محمد الصباح إلى المنامة. وقالت وكالة أنباء البحرين إن الصباح التقى خليفة الذي أعرب للضيف الكويتي عن «تقدير البحرين للمواقف المشرفة لدولة الكويت، أميراً وحكومة وشعباً»، مؤكداً «وقوف البحرين مع الكويت في إجراءاتها لحفظ أمنها واستقرارها في ضوء اكتشاف شبكة تجسس تستهدف أمن الكويت وسلامتها»، في إشارة إلى إعلان الكويت الكشف عن شبكات تجسس إيرانية.
إلى ذلك، تحدث مصدر دبلوماسي لـ«الأخبار» عن أن غزو السعودية للبحرين حصل ضمن صفقة بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، على أساس مقايضة إقليمية. وقال إن «الصفقة ضمنت التغاضي الأميركي عن غزو السعودية للبحرين، مقابل مساعدة خليجية في السيطرة على ليبيا وإطاحة العقيد معمر القذافي».
وجرت الصفقة على مستوى الرئيس باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون من جهة، والملك السعودي وكبار الأمراء في الرياض من جهة ثانية. وحصل الأميركيون على طلب عربي خليجي بفرض منطقة حظر طيران في أجواء ليبيا باسم الجامعة العربية. حظر شاركت فيه قطر والإمارات العربية المتحدة علناً، بينما موّلت الرياض قسماً منه، وقدّمت دعماً له في السرّ والعلن.
كل ذلك حصل من قبل 11 دولة عربية من أصل 22، وكان عدد الدول الخليجية المؤيّدة 6. صيغة تظهر فيها الولايات المتحدة والدول الأوروبية على شكل المنقذ بدلاً من المحتل لليبيا. لهذا لوحظ خروج الأسطول الأميركي الخامس من البحرين عشية دخول قوات «درع الجزيرة» المشتركة.
وفي ما يتعلق بمبادرات الأمم المتحدة تجاه البحرين، فإن الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، أبدى اهتمامه بذلك، ونوّه بالأبعاد الإقليمية لما يجري في البحرين، سواء من ناحية العراق وإيران أو في شرق السعودية ولبنان، ولذلك اتصل عدّة مرّات بملكي البحرين والسعودية، وناشدهما احترام حقوق الإنسان، وضبط النفس، وإتاحة حرية التعبير السلمي، وفتح باب الحوار الهادئ. لكنه جوبه بالصدّ مراراً، حتى إنه عندما أراد إرسال مبعوث خاص إلى البحرين، أي وكيله للشؤون السياسية، أوسكار فرنانديز تارانكو، رفضت السعودية ذلك بشدّة، بحجة أن ما يجري في البحرين «شأن يخصّ حكومة البحرين ومجلس التعاون الخليجي وحسب». وحرصت حكومات المنامة والرياض وأبو ظبي على تصوير الصراع بأنه بين إيران وبينها مجتمعة.
واقتراح إرسال مبعوث دولي خاص إلى البحرين جرى ضمن محادثة حصلت بين بان كي مون والسلطات السعودية قبل أيام، وسط قلق من تفاقم الأوضاع الإنسانية في المدن والقرى البحرينية. ولدى سؤال رئيس تحرير موقع «إنرسيتي برس» الأميركي عن صحة ذلك، تردّد مارتن نيزركي في الردّ، لكنّه أكد أن الأمم المتحدة عرضت دوماً أن تؤدي دوراً في أي حوار، قائلاً «أعلم أن الأمين العام تحدث إلى عدد من الزعماء في المنطقة عدّة مرات، ويواصل ذلك حتى خلال عطلة نهاية الأسبوع»، مشيراً إلى أنّه كرّر عرضه «بمساعدة الأمم المتحدة في الحوار إذا طلب منها ذلك».
وبما أن مجلس الأمن الدولي كان غائباً كليّاً عمّا يحدث في البحرين، سألت «الأخبار» رئيس مجلس الأمن الدولي الجديد، مندوب كولومبيا، نستور أوسوريو، عن سبب هذا التجاهل، فأجاب بأن «سياسة المجلس حيال النزاعات الداخلية تقضي باتباع إشارات المنظمات الإقليمية، واحترام الظروف المحلية والإقليمية. وفي حالة البحرين، هنالك أسباب تبعث على القلق، لكن لم تُحل على المجلس، كما جرى مع القضية الليبية».
وهنا كان يشير إلى طلب الجامعة العربية، والدور الذي أداه لبنان في نقل المشكلة الليبية إلى مجلس الأمن. وهذا دور لم تؤدّه الجامعة أو لبنان في الحالة البحرينية. وأضاف أوسوريو «أعتقد أن الحدّ الفاصل بين النزاع الداخلي وتهديد السلام الإقليمي والدولي يقتضي اتباع إشارات المنظمات الإقليمية». لكنّ رئيس مجلس الأمن ختم بالقول «بالنظر إلى الطريقة التي تتطور فيها الأمور في المنطقة، لا يمكن استبعاد أي احتمال».
أسلوب التعاطي الخليجي والأممي مع الوضع في البحرين ينسحب أيضاً على الوضع في اليمن. مجلس الأمن لا يتحرك رغم شلالات الدم التي يسيلها علي عبد الله صالح. فهل للصمت الدولي صلة بترك الشأن اليمني للمعالجة السعودية، أسوة بالوضع البحريني، ضمن اتفاق أميركي آخر؟
وتأتي أزمة البحرين والتشدد السعودي حيالها في ظل وضع إقليمي معقّد، كما لو أنّها تفجّرت لتحرف الانتباه عمّا يجري في فلسطين، أو ما يمكن أن يجري في فلسطين ولبنان معاً، حسب تقدير دبلوماسيين متابعين. ويرى هؤلاء أن التطورات التي تحصل في الدول المجاورة للعدو الإسرائيلي تزيد من توتّره ورغبته في إثارة أزمات دخانية في أماكن بعيدة، من أجل التعمية عن مشاريع عسكرية تستهدف محيطه المباشر.
ونائب رئيس الحكومة التركي بولنت أرينج، من الذين يخشون تفجّر الأوضاع مجدّداً في غزّة بحرب تشنّها إسرائيل. وقال إن موقف بلاده يرمي إلى حل ذلك النزاع، وفكّ الحصار نهائياً عن غزة. لكنّ الإسرائيليين لا يزالون متعنّتين في مواقفهم. وكشف أن الإسرائيليين عرضوا أخيراً، عبر دبلوماسيين، حلّ خلافهم مع تركيا من خلال اعتذار «يحصل تحت الطاولة مع تعويضات في السرّ». غير أن حكومة الرئيس رجب طيب أردغان رفضت العرض، وأصرّت على طلبها الاعتذار العلني، والتعويض عن المتضرّرين من العدوان على أسطول الحرية، ومشاركتها في صياغة حل لأزمة القطاع.