تعز | يجيد الرئيس اليمني علي عبد الله صالح اللعب على الوقت، ممتهناً التسويف والمماطلة. موهبة مكّنته من البقاء رئيساً لأكثر من 32 عاماً، والخروج من كل أزمة يمر بها سليماً، ليعاود الكرّة ثانية. وها هو اليوم يفعلها مجدداً، رغم اختلاف الظرف هذه المرة، واتفاق الجميع على أن مسألة رحيله عن السلطة قد صارت أمراً محسوماً.


فنجده يوقّع اتفاقية لنقل السلطة في بيت نائبه، بحضور السفير الأميركي وعدد من ممثّلي مختلف أطراف المعارضة اليمنية، إضافةً إلى قائد المنطقة الشمالية الغربية اللواء علي محسن الأحمر، لكنه يعود ليتنصّل منها في اليوم التالي، متذرّعاً بالشرعية الدستورية التي تقف إلى جانبه. وما هي إلا أيام حتى يعود مجدداً إلى هوايته، معلناً، في مؤتمر صحافي عقده بعد ساعات قليلة من وقوع مجزرة «الجمعة الدامية» في ساحة التغيير بصنعاء، أن هذه الحادثة كانت لإفشال وساطة سعودية لا يعلم أحد من أين جاء بها.
لكن ظهر لاحقاً أنها كانت وسيلة منه لاستجداء تدخّل سعودي خليجي كان ينتظره، لكنه تأخر كثيراً. وما هي إلا ساعات، حتى جاءت هذه الوساطة التي سعى إليها، وكانت على هيئة مبادرة سعودية ـــــ خليجية، طلب عرضها على مختلف أطراف الأزمة بعيداً عن وسائل الإعلام، لكنها مع ذلك ظهرت على لسان رئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم، ما مثّل فرصة ذهبية، جاءت إليه على طبق من فضة، لكسب وقت إضافي. فأطلق على الفور أدواته الإعلامية لتُعبّر عن موقف السلطة من هذه المبادرة في اتجاهات متناقضة، حيث تكفّل وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال أبو بكر القربي بالقول إن المبادرة هي الآن في موقع الدراسة، فيما خرج رئيس وكالة الأنباء اليمنية المقرّب من الرئيس صالح، طارق الشامي، قائلاً إن المبادرة هي «عملية انقلاب على الدستور».
وفيما يعلم الجميع أن هذين الشخصين لا ينطقان إلا بترخيص شخصي من الرئيس نفسه، كان واضحاًَ أن هذا التشتيت الذي يحدث إنما هو لعب جديد على عامل الوقت، إلى حين قدوم موعد الخطاب الرئاسي الذي صار أسبوعياً في ميدان السبعين، بجوار مقر صالح الرئاسي، حيث أعلن الأخير صراحةً رفضه للمبادرة جملةً وتفصيلاً، وعدّها «تدخلاً سافراً في الشأن اليمني»، ليعود في اليوم نفسه إلى إصدار توضيح يجدّد فيه ترحيبه بالوساطة التي «يبذلها الأشقاء في مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتهم السعودية»، لكنه «يرفض ما ورد في تصريح رئيس الوزراء القطري، ويعدّه تدخلاً في الشأن اليمني لا يمكن القبول به».
هي هنا نقلة جديدة، ينقلها الرئيس صالح من ملعب أحزاب اللقاء المشترك إلى ملعب دولة قطر وقناة «الجزيرة»، مع ملاحظة أن صالح لم يطرح عبثاً ترحيبه بالمبادرة الخليجية وبالجهود المبذولة من السعودية، وخصوصاً مع إعلانه رفض التدخل القطري في الشأن اليمني. هو لعب واضح على وتر العلاقات المتوترة أصلاً بين المملكة وقطر، ولا يريد أن يخرج خاسراً من دون اللعب عليه، وهو أيضاً محاولة لإبعاد التركيز على صلب الأزمة الرئيسية، ليجري بعد ذلك اتصالات هاتفية بزعماء دول الخليج، باستثناء قطر، ولتعود الكرة مرة ثانية إلى خانة المبادرة الأولى التي عاد وزراء مجلس دول التعاون الخليجي إلى مناقشتها، وخرجوا بعدها بتوصيات تقول بنقل الرئيس صالح لصلاحياته إلى نائبه وتأليف حكومة وحدة وطنية ترأسها المعارضة. وهي تقريباً بنود المبادرة نفسها التي طرحها الرئيس صالح على أحزاب اللقاء المشترك أكثر من مرة. لكن بحسب مصادر مطّلعة، فإن ما اتُّفق عليه في اجتماع وزراء الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي «إنما جاء ترجمة لصيغة اتفاق جرى التوصل إليه بين الرئيس صالح واللواء علي محسن الأحمر، بعدما سمّي واقعة محاولة اغتيال الأخير التي جرت الأسبوع الماضي»، تخلله التوافق على ضرورة توفير ضمانات لصالح وأقاربه من الدرجة الأولى وكبار معاونيه بعدم الملاحقة القانونية بعد تنحّيه عن السلطة، وهي الضمانات التي جاءت لاحقاً في نص المبادرة الخليجية. وبناءً عليه، كان من المتوقع ألا يتأخر الرد الرسمي على هذه المبادرة في صيغتها التي جاءت بها، وإعلان الترحيب بها، حيث أكد مصدر في رئاسة الجمهورية الترحيب اليمني بجهود الأشقاء ومساعيهم، مؤكداً أن صالح «ليس لديه أيّ تحفّظ على نقل السلطة سلمياً، وبسلاسة، في إطار الدستور»، وأن السلطة ستتعامل بإيجابية مع هذا البيان كأساس للحوار.
في المقلب الآخر، جاء ردّ المعارضة اليمنية ممثلاً بأحزاب اللقاء المشترك على هذه المبادرة إيجابياً في بداية الأمر. أقوال الناطق الرسمي باسم اللقاء المشترك لقناة «الجزيرة» القطرية أنه شخصياً يرحّب بالمبادرة، لكنه ينتظر اجتماع أعضاء مجلس المشترك لتحديد موقف نهائي منها، جاءت بالتزامن مع نشر موقع «شباب الثورة اليمنية» الرسمي خبراً يفيد باستقالة الرئيس الدوري لأحزاب اللقاء المشترك ياسين سعيد نعمان احتجاجاً على ما ظهر أنه «التفاف على ثورة الشباب». لكنّ تضارب الأخبار بشأن صحة الخبر، بعدما نفاه مصدر في الدائرة الإعلامية للحزب الاشتراكي اليمني، عزّز من وجود اعتراض لدى بعض الأطراف في أحزاب اللقاء المشترك على أنه ليس من اللائق القفز فوق خيارات شباب الثورة الموجودين في الساحات، الذي ظهر بوضوح في مسألة تغييبهم عن المفاوضات التي حصلت، وهو ما أعلن ياسين نعمان رفضه في أكثر من مناسبة.
ولم يتأخر ردّ شباب الثورة كثيراً، إذ أصدروا بياناً قالوا فيه إن المبادرة الخليجية بشكلها النهائي «أثبتت صحة موقف الشباب المعلن سابقاً، والرافض لأي مبادرة لا تنطلق من الساحات، لكونها لن تلبّي طموحات شباب الثورة، ولا تمثّل إرادة الشعب اليمني، وعلى رأسها تنحّي الرئيس وأقاربه فوراً، ومحاكمتهم مع كل المتورّطين في جرائم قتل أبناء الشعب».