القدس المحتلة | الأجواء في القدس المحتلة تفقد شيئاً من رونقها: من زيارة إلى أخرى، يشعر المرء بأنّ القدس المحتلة، وخصوصاً بلدتها القديمة، لا تشبه صورتها في أذهان الغرباء عنها، ولا تقترب من لحنها في رومانسية الأغاني. لا يهم أين يمشي الزائر، فإنه حتماً سيشعر بأنَّ فلسطينيي هذه الرقعة يفقدون شيئاً من إيمانهم بالكلام، وكأن الحديث لا يفيد. فقد كان مفترضاً أن تكون هذه الفترة الحالية مزهرة بأهلها: إذ في الأفق حدثان إيجابيان، المصالحة الموقعة بين طرفي الصراع الداخلي، فتح وحماس، والتصويت على القرار الأممي للإعلان عن الدولة الفلسطينية في أيلول المقبل، لكن غالبية الناس لا يكترثون، وربما لا يصدقون من خيبة الوعود. أحد المقدسيين في شارع صلاح الدين لوّح بيده رداً على سؤال «ماذا تتوقع؟» قائلاً «انسْ يا رجل». أحد الشبّان يتحدث الإنكليزية بطلاقة، يجلس في دكانه في سوق العطّارين. كان يشرح لسائحتين عن أحد أنواع البهارات: «اشربيها مرة في كل ليلة، ولن تشعري بالأرق ثانية». كانت السائحة تنظر بإعجاب إلى علبة الشاي، بينما كان الشاب المقدسي يمازح صديقه بالعربية «لماذا لا ينام هؤلاء، لا أفهم. لا ينقصهم شيء». كانت الأجواء إيجابية في ذلك المكان الصغير والمثير، لتتجه بعد الضحك نحو تساؤل عن السياسية. «المصالحة؟» يقول الشاب «دعنا ننتظر لنرى». حين تسأله عن قرار إعلان الدولة في حال اتخاذه في أيلول يقول «1967 ليست القضية يا صديقي. ولنفرض أنهم اعترفوا فهل ستقوم دولة فعلاً؟ ماذا مع باقي الوطن؟ حيفا ويافا وغيرها؟». يصمت قليلاً ويستمر: «لنفرض أن أحدهم سرق منك سيارة، وعاد بعد وقت طويل وقال ما رأيك أن تأخذ الإطارات وتصنع منها سيارة.. فهل توافق؟».

أحياناً لا حاجة إلى أن تناقش، يكفي الالتفات إلى شوارع البلدة القديمة والقدس الشرقية المحتلة. إنَّ تعزيز الاحتلال يبدو جلياً في المقطع الشرقي للاحتلال. قد تكون أنظار الفلسطينيين متجهة إلى أيلول نحو إعلان الدولة إذا حصل، لكن في القدس ثمة ما يهددّها ببطء، وهو مخطط «القدس 2020» الذي يعمل الإسرائيليون لتعزيزه دون الاكتراث لما سيجري في الأمم المتحدة. ذلك المخطط لتعزيز الاحتلال وتقوية التهويد. والذي يسير في الشوارع يشعر بأنَّ الاستيطان أوسع: القطار الأرضي الذي يربط شرق المدينة بغربها جاهز للانطلاق؛ استيطان في كل مكان وعمار جديدة في كل زاوية. لم تشهد القدس المحتلة رئيس بلدية يمينياً مثل نير بركات يجعل من الاستيطان عقيدة ومن معاداة العرب ركناً. المخططات تدور في أروقة البلدية، ويراها المرء في الشارع ليتساءل «هل فعلاً يرمم الإسرائيليون القدس الشرقية بالاستيطان لإعادتها للفلسطينيين؟ وكيف سيوقف قرار الامم المتحدة في حال اتخاذه هذه الورشة الاستيطانية؟». سائق التاكسي المقدسي غاضب من حركة السير أكثر من غضبه على الرئيس الأميركي باراك أوباما. حين تحدثه عن السياسة يرى، ربما أكثر من غيره، الموضوع بإيجابية، فمن طبيعة حديثه تشعر بأنه متابع للحدث: «هذا سيحرج نتنياهو» يقول دون تعليل، لكنه يسهب: «لكن حتى لو أحرج نتنياهو فماذا سيحصل؟»، لا أحد يعرف. فهو محق، إنَّ موقف نتنياهو قد أعلن في الكونغرس، ويبدو جلياً أن الخلاف على الحدود هنا والحدود هناك لن يفسخ التحالف الاستراتيجي بين البلدين. قد تكون الدولة العبرية محرجة أمام الرأي العام الدولي، وهذا سيضعها تحت الامتحان الدائم.. لكن سائق التاكسي يسأل: «ماذا فعل الرأي العام لنا؟». ينهي سائق التاكسي الحديث. لا يحكي عن المستوطنات التي تسد أفق المدينة، ولا عن ذلك المسنّ المحترق بشمس حزيران ويعمل مرغماً في بناء مخططات اسرائيلية مثل سكة الحديد التي تهدف الى تهويد المكان. ففي البيت عائلة تنتظر راتباً نهاية الشهر. المفارقات تقوى. والاستيطان في المدينة أيضاً. كلما تنظر من شباك السيارة قد ترى تجمعاً استيطانياً جديداً. كل هذا بالإضافة إلى العنصرية المتفاقمة: المئات من اليمينيين احتفلوا بـ«يوم القدس» (احتلال القدس) وتوجهوا لحي الشيخ جرّاح، حيث يتجلى الاستيطان والاقتلاع بأبشع صوره، وهتفوا «الموت للعرب» و«محمد مات»، وغيرها من الهتافات العنصرية. كل شيء صار بوجود الشرطة التي لم توقف الهتافات التحريضية. هؤلاء العالقون في الشيخ جرّاح يشعرون بالعزلة. أحد السكان قال لـ«الاخبار»: «هؤلاء العنصريون مدعومون بجمعيات استيطانية وحكومة وكل شيء.. ونحن مَن وراءنا؟». الرجل يشعر بالعزلة، تماماً مثل المدينة. فقرار الأمم المتحدة لن يوقف الممارسات الإسرائيلية التي تجاوزت كل المعايير في القدس المحتلة. وحضور الاستيطان شاهد.
حي سلوان لا يزال عالقاً في الاستيطان، وعزلة الناس في مدينتهم تزداد. إعلان الدولة أو عدمه لن يعيد الصفوة إلى أفق الحي المغبرّ. تمر من هناك، كل شيء كما كان: فقر وبطالة واستيطان وخيام اعتصام جاهزة دائماً. البلدة القديمة أيضاً لا تتغير: سياح أقل ومستوطنون أكثر. حوانيت السائحين تبدو هي أيضاً فارغة. أحد الباعة يقطع حديث السياسة ليقنع السائحة بشراء مسبحة: «بخمسين فقط»، فقالت له «لا مستحيل». حاول إقناعها لكنها لم تقبل. كانت تهمّ بالخروج من المكان، فقال لها: «ادفعي ما تريدين» فردّت: «هل أنت متأكد؟» فقال لها: «نعم متأكد ولكن لا تكسري قلبي». بعد ذلك الحوار الذي دام أكثر من سبع دقائق، نال صاحب الدكان «عشرين فقط»، ولم يعد للحديث عن السياسة.
القدس بعيدة عن الفرح، وتبتعد أكثر من يوم إلى آخر. هدوء السوق محزن، وعزلة الأحياء الشرقية قاسية جداً. نساء يتسللن إلى السوق ليبعن الخضر بأبخس الأثمان للعيش. في وقوفهن مقاومة ما، لكن المشهد لا يخلو من الحزن. لماذا يعمل هؤلاء الأطفال على العربات، ولماذا البشر يملأون هذا المقهى القديم؟ يتساءل القادم إلى القدس، فيعلق في صورة أهلها، وينسى ما تعنيه الأمم المتحدة.




اعتداءات المستوطنين

أضرم مستوطنو مستوطنة «علي عين» المقامة على أراضي قريتي المغير وقريوت شمال شرق محافظة رام الله، أمس النيران في مسجد قرية المغير الكبير، ما أدى إلى اشتعاله مع جزء كبير من محتوياته وتشقق جدرانه. رئيس مجلس قروي المغير فرج النعسان، قال إن المصلين فوجئوا أثناء توجههم للصلاة فجراً باشتعال النيران داخل المسجد، ووجدوا إطارات سيارات مشتعلة داخله، وشعارات كتبت باللغة العبرية على جدرانه الخارجية تقول إن «هذا بداية الانتقام».
فور اكتشاف الحريق اقتحمت القرية قوات كبيرة من جنود الاحتلال وشرطته، ووقعت اشتباكات بينهم وبين مواطني القرية، ما أدى إلى إصابة العشرات من أهالي القرية بالرصاص المطاطي والغاز المسيّل للدموع، وقد عولجوا ميدانياً. النعسان أكد أن مواطني القرية شاهدوا مجموعة من جنود الاحتلال بالقرب من المسجد قبل منتصف ليل الاثنين، الأمر الذي يدل على أن عملية إحراق المسجد حصلت بحماية قوات الاحتلال. المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية، الشيخ محمد حسين، زار المسجد ووصف الاعتداء على المساجد بأنه يأتي ضمن سياسة مبرمجة تهدف إلى تأجيج الصراع، وتظهر مدى الاستهتار بالقيم الدينية والإنسانية للآخرين.