السؤال المطروح اليوم، هل تقلب سوريا الصفحة التي تلطخت بدماء الأبرياء من مواطنيها خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وتداوي جراحها بما يتجاوز تجربة الدم بأقل قدر من الأضرار؟ هذا السؤال يشغل بال الناس في سوريا وخارجها. الأصدقاء والأعداء مهتمون بالإجابة، لكن المواطن السوري معني بها أكثر. ضريبة الدم التي دفعت حتى الآن عالية الكلفة، فضلاً عن أن مسلسل القتل اليومي آخذ في التحول إلى ما يشبه لعبة شيطانية مفتوحة على أفق مجهول، والخسارة فيها ستكون من نصيب القاتل والقتيل على السواء، لذا يجب أن يتوقف العنف ويفسح الطريق للحوار.

يتفرع السؤال السابق إلى أسئلة كثيرة. لعل أبرزها هو إذا كان هناك إمكان لعبور الامتحان الصعب، وتشريع أبواب الحوار، فمن أين تكون البداية، وكيف، وعلى أي أسس؟
بداية، لا بد من الوقوف عند ردود فعل النظام تجاه الحركة الاحتجاجية التي انطلقت على شكل تظاهرات شبابية في 15 آذار الماضي من وسط دمشق تقلد ثورات تونس ومصر، ومن ثم تحولت إلى هبة شعبية عارمة في درعا، وسرعان ما امتد الحريق إلى ريف دمشق. ولو أراد المراقب من بعيد أن يرسم خريطة للمناطق التي كانت مسرحاً لشعار «إسقاط النظام»، لوجد أنها تمتد من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، حيث شملت درعا وريف دمشق وحمص وبانياس واللاذقية وتلكلخ وحماة والرستن وجسر الشغور، صعوداً نحو دير الزور والحسكة والقامشلي. واللافت هو أنه رغم إطفاء الحريق في بعض المناطق، فإن رقعة الدم في اتساع مع كل جمعة احتجاج جديدة، فضلاً عن أن الهدوء الذي عاد إلى بعض المناطق يتسم بالهشاشة وليس نهائياً، لكنه ساد بفعل عاملين: الأول سيطرة القبضة الحديدية والتعاطي مع الاحتجاجات بالرصاص الحي، وصار كل من يخرج إلى الشارع يعرف نفسه أنه قد لا يعود حياً، وفي أفضل الأحوال ربما تعرض للاعتقال. والثاني أن اللقاءات التي أجراها الرئيس السوري مع فاعليات شعبية من مختلف المناطق أعطت مفعولها جزئيّاً، وأسهمت في التهدئة المؤقتة في كثير من الأماكن، ذلك أنه قطع على نفسه وعوداً كبيرة بتعويض المتضررين معنوياً ومادياً، وإنصاف الضحايا الأبرياء، ومعالجة أسباب الخلل، التي جعلت الشارع يخرج عاري الصدور يتحدى الرصاص، ويطالب بـ«إسقاط النظام».
تغيّرات كثيرة حصلت منذ بدء الاحتجاجات إلى اليوم، أوّلها أن النظام القديم أظهر عجزاً عن تقديم حلول غير اللجوء للقوة المفرطة، وفقدت صلاحيتها الأجهزة التي قام عليها، والآليات التي اشتغل بها طويلاً. وإن العمل به في الوقت الراهن هو من باب المثل الفرنسي الذي يقول «لا نغيّر الحصان في وسط المعركة». المعركة لم تنته، وكثير من الإشارات تدل على أن سوريا ذاهبة إلى هدنة بين الشارع والنظام. فإما أن تحصل تسوية تاريخية، وإما أن تدخل البلاد في مرحلة يكون العنف فيها سيد الموقف. وهنا يحضر الحديث عن التغير الثاني الذي حصل، ويمكن ملاحظته بسهولة من خلال مراقبة مجرى الحركة الاحتجاجية، وهو يتمثل في أن النظام فرض على نفسه العزلة باعتماد الحل الأمني، ولن يفك طوق هذه العزلة سوى الشارع، ومدى استجابة الشارع متعلق بحجم وطبيعة التسويات التي يستطيع النظام قبولها. إن الوقوف عند إخماد الاحتجاجات بالرصاص والاعتقالات الواسعة أخطر من العودة إلى النقطة الصفر قبل أن يأخذ الشارع زمام الأمور بيده، ولن يستقيم الأمر من دون أن يبادر النظام إلى تقديم تنازلات مؤلمة تطال بنيته بالكامل، وخصوصاً أجهزة الأمن، التي تعد أحد المسببات لصرخة الكرامة والحرية، التي هتفت بها حناجر المتظاهرين.
من أبرز المتغيرات التي سُجِّلت، أن الشارع السوري نزع القناع، وكسر حاجز الخوف، ومن بين أهم النتائج اليوم عودة السياسة إلى سوريا، التي عُرفت على الدوام بأنها بلد سياسي بامتياز، وهذه مسألة يبدو أن لا أحد يأخذها في الحسبان، لا النظام يريد أن يراها ويتعاطى معها، ولا الأطراف المراقبة للحدث السوري تستطيع استيعابها. والمعنى العميق لذلك هو أن المجتمع السوري شرع باستعادة حقوقه السياسية، وبالتالي لا يمكن تلخيص الحركة الاحتجاجية أو قراءتها بناءً على أعداد المتظاهرين فقط، ولا حتى الشعارات التي يرفعونها. وهناك إجماع في أوساط السوريين اليوم على أن الحركة الاحتجاجية ليست سوى أول الغيث، الذي تبتل به الأرض وتفوح رائحة التراب التي تثير النشوة في الأنوف، وبالتالي لا بد من رؤية أوسع وأشمل وأبعد مدى للتعاطي مع المسألة السورية، الأمر الذي يستدعي وضع خريطة طريق تقود البلد إلى بر الأمان.
ثمة عناوين كثيرة تتردد في الشارع السوري، معظمها قديم، وهي تتعلق بالحريات ودور الأجهزة الأمنية في الحياة العامة، واستشراء الفساد الرسمي على نطاق واسع. ومن التمعن في مضمون الحركة الاحتجاجية، يمكن القول إن هذه المحاور الثلاثة تمثّل الهيكل العام لخريطة الطريق. والملاحظ هنا أن بعض البلدان التي عاشت ظروفاً قريبة من سوريا، استطاعت الخروج من عنق الزجاجة في لحظة حرجة باعتماد وصفة مزجت بين هذه العناصر، وسلكت طريقاً تدريجياً، ومنها المغرب عشية رحيل الملك الحسن الثاني سنة 1999، الذي مهد المسرح أمام نجله محمد السادس، بتشريع الأبواب أمام المعارضة، وسلّم خصومه القدامى مقاليد العمل الحكومي، ولم ينقص من قيمته شيء جلوسه قبالة رئيس وزرائه الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي، الذي سبق للملك أن صدّق على أربعة أحكام بإعدامه.
من أهم إنجازات حكومة عبد الرحمن اليوسفي تمهيد الطريق لإنشاء «هيئة الإنصاف والمصالحة» من قبل العاهل المغربي محمد السادس في مطلع سنة 2004، وكلفها التحقيق في ما شهده المغرب من انتهاكات لحقوق الإنسان خلال الفترة التي أعقبت الاستقلال وحتى رحيل الحسن الثاني، والتي عرفت بـ«سنوات الرصاص»، وقد بحثت اللجنة في آلاف الوثائق والحالات والشهادات، متتبعة الحقيقة والمسؤولية عن هذه الانتهاكات بدءاً بملف «مجهولي المصير» مروراً بملفات «الاعتقال التعسفي» و«التعذيب وسوء المعاملة»، وانتهاءً بحالات القتل وإطلاق النار في الحوادث الجماعية. وخلصت الهيئة إلى صياغة جملة توصيات تتعلق بـ«جبر الأضرار وإنصاف الضحايا»، بعضها يشتمل على التعويض المادي والتأهيل الصحي للضحايا، وبعضها الآخر بـ«جبر الضرر على النطاق الاجتماعي». والأهم أن الهيئة خرجت بضوابط عامة لمنع تكرار ما حدث. في هذا السياق، يمكن التوقف أمام استراتيجيات تفصيلية ثلاث اعتمدتها الهيئة وأوصت بها، هي: «دعم التأصيل الدستوري لحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دولياً، وذلك عبر ترسيخ مبادئ سمو القانون الدولي على القانون المحلي وقرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة» و«إقرار وتطبيق استراتيجية محلية لمناهضة الإفلات من العقاب»، والثالثة هي «إقرار جملة من الإصلاحات في مجال الأمن والعدالة والتشريع والسياسة الجنائية لتوطيد دولة القانون».
أهمية هذه التجربة أنها يمكن أن تكون فاتحة لعملية التحول الديموقراطي، وبداية لمرحلة انتقالية تقود المجتمع إلى بر الأمان من دون خضات كبيرة. والبحث عن الحقيقة وتوخي الإنصاف والعدالة، ليسا نوعاً من النبش في الماضي أو نشراً للغسيل القذر أو استدراجاً للفتنة، بل هو تأسيس لمستقبل لا تتكرر فيه مثل هذه الانتهاكات، وضمانة لعدم الرجوع إلى الوراء، وتعميم لثقافة عدم الإفلات من العقاب. هو تطلع للمستقبل لا تصفية حساب مع الماضي. وتجب الإشارة إلى أن المغرب وجد نفسه مضطراً إلى إطلاق مثل هذه المبادرة، بالنظر إلى فداحة الانتهاكات التي شهدها، ولا سيما في ستينيات القرن الفائت وسبعينياته، وهو أمر ينطبق على سوريا، ما يجعل قياس الحالة منطقياً إلى أبعد الحدود. والأهم من ذلك أن هذه التجربة كانت طريقاً لازماً للمرور إلى التناوب على السلطة، والتعددية السياسية والحزبية النشطة.
يلتقي الكثيرون من دارسي الوضع السوري، وخصوصاً الذين راقبوا تطوراته الأخيرة، على أن الطريق الانتقالي هو الأفضل لسوريا في الوقت الراهن. ويرى هؤلاء أن رحيل النظام القائم أمر تلفه التعقيدات، ويتوقفون عند مسألتين أساسيتين: الأولى هي أن النظام ليس في وارد رفع الأعلام البيضاء مثلما حصل في تونس ومصر، فضلاً عن أنه يمثل مصالح شرائح واسعة من المجتمع السوري. وبالتالي إن رفع شعار «إسقاط النظام» ليس واقعياً. والمسألة الثانية هي أن فترة حكم الحزب الواحد المديدة وسطوة أجهزة الأمن خلفت حالة فراغ كبير. لذا، إن المجتمع السوري يحتاج إلى فترة انتقالية يستعيد فيها عافيته. لكن هذه الفترة يجب أن تقوم على التوافق بين السوريين كافة، الحكم والمعارضة وشتى تعابير المجتمع.
ويرى خبراء غربيون في الشؤون السورية أن قبول النظام بحل انتقالي لا يعني تنازله عن الحكم، بل مشاركة المجتمع. ومن هنا كانت كل المواقف الغربية تلتقي عند نقطة واحدة، هي مطالبة الرئيس السوري بقيادة الإصلاحات. وتكمن المشكلة الفعلية في الخلاف على نوعية الإصلاحات ومدى عمقها. وتبين حتى الآن أن الإصلاحات التي صُرِّح بها لا تتجاوز حدود الوعود، واللجان المتخصصة تعمل بوتيرة بطيئة جداً ووسط أزيز الرصاص، وبعضها لا يمكن التعويل عليه فعلياً. على سبيل المثال، تلك التي أُنيطت بها مهمة وضع قانون جديد للإعلام؛ فهي تتكون من إعلاميين من بطانة النظام، فيما الأمر يستدعي تأليف فريق مختلف من كفاءات سورية مستقلة، لديها خبرة وتجربة وغيرة على الحريات. ورغم أن القضايا الملحة كثيرة، تتطلب الإصلاحات المنشودة اليوم قبل غيرها فتح أربع ورش كبيرة.
الورشة الأولى تتعلق بالتعددية السياسية والحزبية. وقبل الاسترسال في تفاصيل هذه المسألة، يجب تسجيل ملاحظة أساسية، هي أن حزب البعث الحاكم بدوره اختفى من المشهد خلال فترة الأحداث، وباستثناء تصريح لأمينه القطري المساعد محمد سعيد بخيتان يرفض فيه تعديل المادة الثامنة من الدستور، لم يبدر من جانبه رد فعل بارز. وإن دل ذلك على شيء، فإنما يكشف عن أن البعث جزء من أزمة النظام، بعدما تحول إلى دكان سياسي يسوّق ما يناسب النظام من بضاعة، وإن كانت كاسدة. وانطلاقاً من هنا، إن إلغاء المادة الثامنة من الدستور التي تمنح البعث حق قيادة الدولة والمجتمع هو المقدمة الفعلية لإقناع الشارع بأنه صار على بداية الطريق في قيام تعددية حزبية وسياسية. ومن خلال قراءة لردود فعل القوى السياسية المعارضة، غير كاف وضع قانون جديد للأحزاب، في ظل تمييز البعث؛ لأن ذلك يعني استمرار منظومة الاحتكار والوصاية، وتكريس عقلية الهبات وليس تأسيساً لمنطق الحقوق.
الورشة الثانية تتعلق بالتعديلات الدستورية، ويعني ذلك وضع دستور جديد لسوريا من خلال مؤتمر وطني عام تتمثل فيه كافة الأطراف، وذلك من منظور وضع حد للدساتير السابقة التي فُصِّلت، انطلاقاً من اعتبارات سياسية لكي تماشي ظروف المرحلة الماضية. والشرط الرئيسي للدستور الجديد هو أن يكون دستور دولة مدنية حديثة وعصرية يعتمد المواطنة في المقام الأول، لا المكاسب بالغلبة والقوة. ويُنتظر من الدستور الجديد أن يحدد شكل الحكم والرئاسة وصلاحيات هيئات الدولة كافة.
الورشة الثالثة إصلاح النظام الأمني. تبدو هذه القضية واحدة من أعقد القضايا على الإطلاق، ويزيد من صعوبة طرحها اليوم هواجس ومخاوف النظام في مواجهة شعارات الحركة الاحتجاجية، واستخدام بعض المحتجين السلاح. لكن ذلك لا يعفي من فتح هذا الملف الشائك، والتجربة أكدت أن السوريين يمكن أن يصبروا على الجوع، ولكنهم ليسوا في وارد أن يتحملوا عبث الأجهزة الأمنية بحياتهم. هذه الأجهزة التي تضخمت حتى صارت تكتب من حولها الروايات وتصور الأفلام والمسلسلات.
الورشة الرابعة فتح ملف الفساد. لا تقل هذه المسألة أهمية عن بقية القضايا الأخرى الملحة، وهي لا تتوقف عند رشوة موظف في دائرة حكومية، ولا سوء تصرف تجاه المال العام، بل باتت ثقافة مؤسسية لها قوانينها. وتؤكد المعطيات أن حجم الفساد في سوريا لا يقل عنه في بلدان أخرى مثل تونس ومصر واليمن. والأخطر في العملية هو الشراكة بين أوساط الحكم وبارونات الفساد الذين يتحكمون في مفاصل الاقتصاد الوطني ويحددون شكله ويرسمون توجهاته. وهناك قضية خطيرة تقع في صلب الحركة الاحتجاجية، هي الضرر الكبير الذي لحق باقتصاد الأرياف، وهذا أمر يتحمل مسؤوليته المشرفون على التخطيط الاقتصادي من جهة، وشبكات الفساد من جهة، التي وضعت مصالحها فوق مصلحة البلد.
تشهد العاصمة السورية قريباً لقاءً تشاورياً وطنياً بين أطراف في الحكم وفاعليات شعبية. جدول الأعمال غير معروف، لكن الأولوية هي للتوافق على خريطة طريق تقود سوريا إلى الإصلاح، وتوقف لعبة الدم.