تونس | جاء إصدار القضائي التونسي حكماً بسجن الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي وزوجته ليلى الطرابلسي 35 عاماً، إضافةً إلى دفع غرامة مالية قدرها 75 مليون دولار في ما يعرف بقضية قصر سيدي الظريف، والمتمثلة في الاستيلاء على المال العمومي والاختلاس، مثلجاً لقلوب الكثير من التونسيين، في انتظار النظر في القضية الثانية المعروفة بقضية قصر قرطاج، والمتعلقة بالخصوص بحيازة مخدرات وأسلحة وذخيرة نارية وعدم إعلان امتلاك آثار منقولة، التي تأجّل الحكم فيها إلى الثلاثين من الشهر الجاري لإعداد ملف الدفاع.

أحكام أراحت جزءاً كبيراً من الرأي العام التونسي، الذي بقي مشدوهاً في الفترة الماضية بحجم الأموال الضخمة التي اختلسها الرئيس المخلوع وحاشيته، فيما لا يزال قسم آخر من المجتمع ينتظر بفارغ الصبر فتح قضايا عمليات التعذيب والقتل والاختفاء القسري، التي ارتكبها بن علي طيلة 23 سنة من حكمه.
الأحزاب السياسية التونسية التزمت الصمت بخصوص هذه القضية، ربما احتراماً للسير العادي للقضاء التونسي، الذي بدا كأنه يتّبع الطريق السوي من أجل تكريس إعلاء القانون وتوفير شروط المحاكمة العادلة حتى ضد من كان سابقاً يوظف العدالة لتصفية خصومه السياسيين، إذ عينت نقابة المحامين التونسيين خمسة محامين للدفاع عن الرئيس المخلوع في جلسة أول من أمس في المحكمة الابتدائية وسط إجراءات أمنية مشددة. وقال نقيب المحامين عبد الرزاق الكيلاني، في بداية جلسة المحاكمة، «إننا نريد أن نطوي صفحة الماضي، وأن تجري المحاكمة في ظروف عادية، فتكون محاكمة عادلة»، وذلك بعدما ثار جدل بشأن حق المتهمين في تكليف محاميَين للدفاع عنهما. فالقانون التونسي يرفض تولي محامين نيابة أحد المتهمين، ما لم يمثل مباشرة أمام القاضي.
أما من بيروت، فتولى المحامي أكرم عازوري إطلاق التصريحات الإعلامية، يميناً ويساراً، منزّهاً بن علي عن الجرائم التي ارتكبها في حق التونسيين. وتلا عازوري بياناً نيابةً عن بن علي أكّد فيه عدم امتلاكه أي حساب مصرفي أو عقارات خارج تونس، وأشار إلى أن الأسلحة التي وُجدت في قصره هي «هدايا رسمية» تلقاها من بعض رؤساء الدول، فيما اتهم بن علي المسؤولين التونسيين بفبركة «مسرحية سيئة الإخراج»، من خلال استقدام أوراق مالية من البنك المركزي، وتصويرها وبثها على التلفزيون الحكومي كأنه استحوذ عليها.
بن علي الذي تحدى واجب الصمت الذي تفرضه عليه السلطات السعودية مقابل إقامته فوق أراضيها، لم يتجرأ على إعلان اعتزامه المثول أمام المحكمة للدفاع عن نفسه في صورة التأكد من نظافة يده. والأكيد أن بن علي لن يجرؤ على الإقدام على مثل هذه الخطوة، هو الذي يعي جيداً حجم الجرائم التي ارتكبها نظامه، والذي سمح التخلص منه، بفتح آفاق جديدة أمام التونسيين. وهو ما ذهبت اليه صحيفة «الغارديان» البريطانية أمس، بعدما عدّت محاكمة بن علي بداية لعملية طويلة من جانب الحكومة التونسية لمعاقبة المسؤولين عن عمليات القتل والتعذيب في ظل النظام القديم، بل وأيضاً بداية لمحاولة السيطرة على 40 في المئة من الاقتصاد التونسي.