الخرطوم | على عكس الأعوام السابقة، أغلقت كل المطاعم ابوابها في الخرطوم لدى حلول شهر رمضان، بقرار رسمي من السلطات، بعدما كانت السلطات المحلية خلال سنين «اتفاقية نيفاشا» تسمح بفتح ابواب المطاعم لتلبية حاجة ابناء الجنوب، وتفادي اسباب معاناتهم في الحصول على الطعام خلال نهار رمضان، ومطالباتهم بمراعاة حرية الاديان كما كفلتها الاتفاقية. اما بعد الانفصال، فأعادت السلطات المحلية القرارات القديمة إلى العمل مرة أخرى.

ربما كان هذا القرار الأبرز في دولة السودان بعد مُضيّ شهر على إعلان قيام جمهورية الجنوب ، وفيما عدا ذلك تعيش البلاد في حالة ركود سياسي. فالحكومة عاجزة حتى الآن عن القيام بأي فعل سياسي يوضح ما ستؤول اليه البلاد في المرحلة المقبلة. ويرى الشاب عادل عبد الرحيم أن عدوى صمت سياسيي الحزب الحاكم اصابت الاحزاب الأخرى. ويقول لـ«الأخبار» إن القوى السياسية مصابة بالجمود إلى درجة أن خطابها اضحى من قبيل «لن يستطيع أحد اسقاط الحكومة»، كما صرّح بذلك سكرتير الحزب الشيوعي، ابراهيم نقد.
أما على الصعيد السياسي، فيعاني السودانيون من أزمة اقتصادية طاحنة تجتاح البلاد، حيث تشهد السلع ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار، وكشف شهر رمضان عن تردي الأحوال لدرجة تخوّف البعض من انتقال ازمة الغذاء التي تضرب القرن الافريقي الى السودان. وعكست السيدة فاطمة عبد الله، وهي ربة منزل، معاناتها مع الغلاء وارتفاع الاسعار، مؤكدة أن هاجسها الأوحد أن «لا نصبح صومالاً آخر». ولكي تتضاعف معاناة السودانيين، صاحب ذلك الغلاء ارتفاع في سعر النقد الاجنبي، ولا سيما سعر الدولار الذي يشهد ارتفاعاً ملحوظاً لم تستطع الحد منه التدابير الحكومية التي اتخذت في هذا الاتجاه. كذلك عجزت الحكومة عن امتصاص صدمة خروج أكثر من 70 في المئة من عائدات النفط بعد انفصال الجنوب. ورغم إقرار الرئيس عمر البشير بصعوبة الأوضاع المالية بعد الانفصال، الإّ أن الاعتراف وحده لا يكفي، الأمر الذي أدى الى تساؤلات وسط الخبراء والمحللين، وحتى رجل الشارع العادي، حول مدى قدرة الحكومة على ادارة الاقتصاد، وبرزت اتهامات بعجزها عن مصارحة الشعب بصعوبة الأوضاع الاقتصادية وإجراء المعالجات اللازمة.
وسبق للحكم أن أعلن نيته اجراء تعديل في شكل الحكومة الحالي في ظل «الجمهورية الثانية»، وبدا أن عدداً من القادة البارزين في الحكومة يؤيدون منهج الاصلاح داخل الحزب الحاكم، ما يعني قطعاً الاصلاح في الحكومة. لكن مصدراً محسوباً على الحزب الحاكم قال لـ«الأخبار» إن الحكومة لم تقدم خطاباً مقنعاً يصوغ تبريرات قوية لواقعة الانفصال، ولم تعط نقداً ذاتياً للأخطاء التي وقعت طيلة الفترة الماضية، واكتفت فقط بخطاب لرئيس الجمهورية عمر البشير، أعلن فيه قيام الجمهورية الثانية. وأضاف «لم تقدم الحكومة جردة حساب ولم تقم بمراجعات قوية توضح شكل الحكومة المقبلة». وكانت الخرطوم تأمل من اعلان اعترافها بدولة الجنوب أن تنال رضا المجتمع الدولي، لكن بعد مرور شهر على ذلك الاعتراف لم تجنِ سوى مزيد من الضغوط الدولية جرّاء الأزمة المتفاقمة في جنوب كردفان، وليس آخرها قرار مجلس الأمن 2003 الذي تم بموجبه تمديد مهمة بعثة حفظ السلام في دارفور «اليوناميد» لعام آخر وبصلاحيات واسعة اعترضت عليها الحكومة السودانية بشدة. ولعل مشكلة جنوب كردفان جزء مما قطفته الحكومة بعد شهر من الانفصال، وفق ذات المصدر الحكومي السابق، الذي يرى أن الحرب الدائرة هناك نتاج طبيعي لعدم التوصل الى اتفاق سياسي بين الاطراف المختلفه، ما أدى الى اشتعال العنف، متهماً الدولة الوليدة بالتورط في تلك الاحداث، بقوله «حكومة دولة الجنوب تقدم الدعم اللوجستي والسياسي لقوات عبد العزيز الحلو ـــــ القيادي في الحركة الشعبية قطاع الشمال».
وتوضح تلك التطورات الخطيرة، أن الانفصال مثلما فشل في صنع الوحدة فشل في صنع السلام. ويعتقد المصدر نفسه أن المسألة إذا سارت في هذا التصعيد المستمر «فمن المحتمل أن نرى جنوب كردفان جديدة في دولة جنوب السودان». نظرة ربما تكون قاتمة، لكن الدكتور صديق تاور، وهو احد ابناء جنوب كردفان ويعمل في احدى الجامعات في العاصمة الخرطوم، رسم صورة اشد قتامة بإشارته إلى أن حال السودان بعد شهر من انفصال الجنوب تسير نحو الهاوية. وقال لـ«الأخبار» «الحكومة تسببت في انفصال الجنوب وستفصل جنوب كردفان والنيل الازرق ودارفور تباعاً كل حسب فاعلية المناورات التي تقوم بها». وأضاف «الحرب توطنت في جنوب كردفان وهي هدية الحكومة للشعب السوداني بعد انفصال الجنوب».