باريس | لا تزال الأخبار متضاربة بخصوص مصير العقيد الليبي معمر القذافي، إذ إن الوجهة التي اختارها لتكون بمثابة «المخبأ الأخير» له ولأركان نظامه لا تزال مجهولة، بعد سقوط طرابلس. بعض الأخبار المستندة إلى ترجيحات ضباط مقربين من العقيد القذافي، ممن تخلوا عنه في اللحظات الأخيرة، أشارت الى أنه تحصن في قاعدة سرية تحت الأرض تقع في الضواحي الجنوبية للعاصمة الليبية.

لكن مصدراً فرنسياً خبيراً في الشؤون الأمنية تحدثت إليه «الأخبار» في باريس، كشف عن أن قوات حلف شمالي الأطلسي توصلت إلى معلومات مؤكدة بأن العقيد القذافي غادر طرابلس منذ الخميس أو الجمعة الماضيين. وأضاف إن تقارير استخبارية غربية رصدت حالة من التذبذب في أوساط المقربين من القذافي، برزت بعض مظاهرها إلى العلن قبل ثلاثة أيام من دخول الثوار إلى طرابلس، وتُرجم ذلك من خلال مغادرة رئيس الحكومة البغدادي محمودي إلى جزيرة جربة التونسية، ورفضه العودة إلى ليبيا من دون إشهار انشقاقه رسمياً. وتزامن ذلك أيضاً مع انشقاق المدير الجديد للمصرف المركزي الليبي، محمد الرزوق رجب، الذي عين في هذا المنصب في شهر نيسان الماضي. وبعد ذلك الانشقاق بيوم واحد (أي الجمعة الماضي)، تمكن الرجل الثاني السابق في نظام القذافي، عبد السلام جلود، من مغادرة البلاد والإفلات من حالة التعتيم والإقامة الجبرية المفروضة عليه منذ ما يقارب عقدين.
لكن التقارير أضافت بأن كل تلك الانشقاقات لم تكن سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد، حيث تلقى بعض أقطاب المجلس الوطني الانتقالي، ممن كانوا سابقاً في مواقع المسؤولية في نظام القذافي، ومن أبرز هؤلاء وزير الخارجية السابق عبد الرحمن شلقم، ووزير العدل (رئيس المجلس الانتقالي حالياً) مصطفى عبد الجليل، سلسلة من الاتصالات السرية التي تمت عبر الهاتف أو عن طريق وسطاء، طوال الأسبوع الماضي، وجاءت من قبل مجموعة من كبار الضباط والمسؤولين الأمنيين المقربين من العقيد القذافي، الذين عبروا عن رغبتهم في الالتحاق بصفوف «الثوار». لكن أجهزة استخبارات الدول الغربية المشاركة في عمليات قوات الأطلسي في ليبيا أوعزت إلى هؤلاء الضباط بعدم إشهار انشقاقهم على نحو علني وفردي، بل البقاء في مواقعهم لتسهيل عملية سقوط طرابلس وانهيارها من الداخل.
وحسب الخبير الفرنسي، فإن التقارير الأمنية ذاتها أشارت إلى أن هذه الخطة أسفرت عن استقطاب نحو ثلاثين من كبار الضباط المقربين من القذافي التزموا بتسهيل فتح بوابات العاصمة طرابلس، وتوجيه تعليمات صارمة للقوات التي يشرفون عليها بتسليم السلاح وعدم التصدي لـ«الثوار» عند اقتحامهم العاصمة، وهو ما يفسر السرعة والسهولة اللتين تم بهما سقوط طرابلس بأيدي قوات المعارضة. فهذه الخطة السرية جعلت العاصمة الليبية تنهار سلفاً ومن الداخل، ثم جرى ترتيب عملية «فجر عروس البحر» للاستهلاك الإعلامي لا غير، لإعطاء الانطباع بأن «ثوار بنغازي» حققوا زحفاً عسكرياً مفاجئاً مكّنهم من تحرير العاصمة، بعد أشهر طويلة من التخبط.
ويضيف المصدر ذاته إن الأجهزة الاستخبارية الغربية على قناعة بأن العقيد القذافي لم يكتشف تلك الخطة السرية، لكنه شعر بأن شيئاً غير عادي يدور في محيطه المقرب، ما دفعه إلى اتخاذ قرار مفاجئ بمغادرة طرابلس ليلة الخميس أو صباح الجمعة الماضي، باتجاه معقله الصحراوي الشهير في واحة سبها. وتجزم تلك الأجهزة بأنه لولا فرار القذافي لما أمكن رئيس الحكومة ومحافظ البنك المركزي المغادرة إلى تونس.
من جهة ثانية، رصدت الأجهزة الغربية معلومات مريبة تشير إلى أن قرار العقيد القذافي بالفرار إلى سبها تزامن مع عملية نقل أموال ضخمة إلى المنطقة الصحراوية ذاتها، بإشراف رئيس الاستخبارات، صهر القذافي، عبد الله السنوسي. وقُدّرت تلك الأموال بنحو 5 مليارات دولار نقداً تم تهريبها باتجاه سبها، عبر شبكة الأنابيب الضخمة الموروثة عن مشروع «النهر الصناعي العظيم»، الذي يعد أحد المشاريع الجنونية التي أطلقها العقيد القذافي في الثمانينيات، وتحولت أنابيبه، التي يبلغ قطرها نحو أربعة أمتار بعد فشل المشروع، إلى مسالك سرية تستعمل للأغراض العسكرية.
وذكّر الخبير الفرنسي في حديثه الى «الأخبار» بأن هذه العملية تشبه ما فعله (الرئيس العراقي السابق) صدام حسين، عشية سقوط بغداد، حيث قام بتهريب كميات ضخمة من السيولة النقدية لاستعمالها في تنظيم عمليات المقاومة بعد الاحتلال الأميركي. وتخشى الاستخبارات الغربية ألا يكون هدف العقيد القذافي من خلال تهريب وتخزين هذه الأموال مقتصراً فقط في التصميم على مواصلة القتال على الصعيد الداخلي الليبي بعد سقوط طرابلس. بل تخشى الأجهزة الغربية أن تكون لدى العقيد القذافي، الذي يمتلك سوابق عديدة في مجال الإرهاب الدولي، نيات في الانتقام من الدول الغربية المشاركة في حملة الأطلسي، عبر تمويل عمليات إرهابية وتفجيرات فوق أراضيها، وخصوصاً أن منطقة سبها التي جرى تخزين تلك الأموال فيها تبعد أقل من 50 كيلومتراً عن الحدود المترامية الأطراف لمنطقة الساحل الأفريقي، حيث من السهل تسريبها إلى خارج ليبيا، لتمويل جماعات إرهابية فرق من المرتزقة لضرب المصالح الغربية.