بينما كانت بعض المدن السورية، أبرزها حمص، تشهد حملة أمنية كبيرة بلغت حصيلة خسائرها بالأرواح نحو 32 قتيلاً، قال عنها الإعلام الرسمي إنها مواجهة مع «عصابات إرهابية»، كانت أزمة زيارة الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي تشهد حلحلة تمثلت في تحديد موعد جديد للزيارة السبت المقبل، وهي التي رأى فيها ممثّلو المتظاهرين فرصة لإيجاد مخرج للأزمة الراهنة. في هذا الوقت، كان حكام دمشق يبحثون عن منافذ لمواجهة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليهم من قبل الغرب.


وغداة الاعلان عن تأجيل زيارة العربي التي كانت مقررة إلى دمشق، أمس، أعلن نائب الأمين العام للجامعة العربية أحمد بن حلي أن الزيارة ستحصل يوم السبت المقبل. موعد تحدد بعدما جرى اتصال هاتفي بين العربي ووزير الخارجية السوري وليد المعلم، إضافة إلى استقبال العربي مندوب سوريا الدائم لدى الجامعه العربية السفير يوسف أحمد. وقد تضاربت المعلومات بشأن سبب تأجيل الزيارة التي انتظر العربي أسبوعاً كاملاً للحصول على موعدها. وظلّ التبرير الرسمي للتأجيل غامضاً مع مصطلح «لأسباب موضوعية»، لذلك انقسمت الآراء بشأن التأجيل؛ من جهة، أوحت مصادر النظام السوري أن ذلك حصل إثر امتعاض دمشق من بنود المبادرة التي يحملها المسؤول العربي والمؤلفة من 13 بنداً، وتقترح، من ضمن ما تقترحه، «إجراء انتخابات رئاسية تعددية مفتوحة عام 2014». وممّا يوحي بوجود امتعاض رسمي سوري من مضمون المبادرة ومن تسريب بنودها إلى الإعلام، إعلان القيادي البعثي فايز عز الدين لوكالة «آكي» الإيطالية أن «الأصوات الصادرة عن الجامعة العربية تنطلق من رؤى الاستتباع للغرب وللحلف الأطلسي، لا من رؤى الثوابت العربية». وعن أسباب طلب سوريا إرجاء زيارة العربي، قال عز الدين إن دمشق «غير موافقة على موقف الجامعة العربية، لأنه يُظهر انحيازاً إلى المعارضة السورية من دون السؤال عن سبب الأزمة في الشارع». وكان المجلس الوزاري للجامعة العربية قد كلّف العربي، نهاية الشهر الماضي، بزيارة دمشق، لكي يعرض على الرئيس بشار الاسد مبادرة لتسوية الأزمة، من خلال تبنّي «إعلان مبادئ» يؤكد التزام السلطات بالانتقال الى نظام تعددي والتعجيل بالإصلاحات.
وفي الرواية الثانية، ما نقلته صحيفة «الشروق» المصرية عن أن السبب الفعلي لقرار السلطات السورية تأجيل استقبال العربي يكمن في استقباله وفداً من شباب المعارضة السورية في القاهرة أول من أمس، وإعلانه أمامهم رفضه لما يقوم به النظام ضد شعبه. وفي السياق، رأت «لجان التنسيق المحلية في سوريا» أن المبادرة العربية تتضمن «أساساً طيباً» لمعالجة الأزمة في سوريا. وفي إطار متصل، كشف دبلوماسيون عرب أن وزراء الخارجية العرب سيجتمعون في القاهرة يوم الثلاثاء المقبل لمناقشة الوضع في سوريا ونتائج زيارة العربي لدمشق. واستبعد الدبلوماسيون تجميد عضوية سوريا في مؤسسات الجامعة خلال الاجتماع، على غرار ما حدث مع ليبيا في شباط الماضي. وأدلت باريس بدلوها في ما يتعلق بزيارة العربي، إذ أعربت وزارة الخارجية الفرنسية عن ثقتها بأن تأجيل السلطات السورية زيارة المسؤول العربي «دليل جديد على رفض النظام السوري لإجراء أي حوار مع شعبه ومع شركائه في جامعة الدول العربية». وأوضحت وزارة الخارجية، في بيان، أن باريس تجري محادثات على المستوى الأوروبي لفرض جولة سابعة من العقوبات على سوريا بهدف فرض قيود على من يدير القمع في سوريا وخفض الموارد التي تستخدم في العنف.
أما في الضغوط الغربية على سوريا، فقد جدد وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه، من موسكو التي يزورها، اتهام نظام الرئيس بشار الأسد بالضلوع في «جرائم ضد الإنسانية»، معرباً عن رغبته في موافقة روسيا على دعم قرار إدانة النظام السوري في مجلس الأمن. بدوره، شدّد نظيره الروسي سيرغي لافروف على أن «الأولوية السورية اليوم هي في بدء حوار ومفاوضات»، مشيراً إلى أن «تحريض البعض من قوى المعارضة على مقاطعة هذا الحوار أمر خطير يصبّ في تكرار السيناريو الليبي، الأمر الذي لا تريده روسيا ولا فرنسا».
في المقابل، كشف وزير المال السوري محمد الجليلاتي أن بلاده تخطط لبيع روسيا أو الصين النفط الذي لم يعد بمقدور العملاء الأوروبيين شراؤه بسبب حظر جديد فرضه الاتحاد الأوروبي على وارداتها النفطية، مطمئناً إلى أن دمشق «لن تتضرر جرّاء العقوبات الغربية ما دامت تلبّي حاجاتها من الطاقة». وقال الجليلاتي لوكالة «رويترز» في أبو ظبي إن «العقوبات لن تضرّ سوريا، وستظل واقفة على قدميها، ولا مشكلة ما دامت احتياجاتنا المحلية مكفولة».
ميدانياً، جاءت حصيلة قتلى يوم أمس مرتفعة مع تسجيل المعارضة مقتل 32 شخصاً على الأقل، إضافة إلى اعتقال العشرات في مناطق عدة. وبحسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، فإنّ 22 شخصاً قُتلوا في حملة الجيش على محافظة حمص، فيما قتل اثنان آخران في محافظة إدلب برصاص الأمن السوري و6 في حماه، وسط قطع الاتصالات الأرضية عن كافة أحياء حمص. وسبق لـ«المرصد» أن أعلن اعتقال قياديين من المعارضة في دير الزور، ليل أول من أمس، أبرزهم محمود الجاسم وأحمد الجاسم وفياض الشيخ وجاسم الدبش وإمام وخطيب مسجد قباء في حي الجورة، الشيخ صالح الخيزران، الذين كانوا متوارين عن الأنظار في مدينة الحسكة.
على صعيد متصل، ذكرت وكالة «سانا» أنه جرى تشييع 13 عنصر أمن من مستشفيي تشرين وحمص العسكريين أمس، ممن قضوا «برصاص المجموعات الإرهابية المسلحة أثناء تأديتهم واجبهم الوطني في حمص وريف دمشق وإدلب». وأوضحت «سانا» أن «المجموعات الإرهابية المسلحة» فجّرت عبوة ناسفة في بلدة النعيمة القريبة من درعا، أثناء مرور حافلة لقوات حفظ النظام وقوى الأمن، ما أدى إلى إصابة 11عنصراً وأربعة مدنيين، بينهم أب وطفلاه.
(الأخبار، سانا، أ ف ب، رويترز، يو بي آي)