صنعاء | قبل أسبوع من الآن، تحدثت وزارة الخارجية الأميركية عن بوادر مشجعة لإمكانية توقيع الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، خلال أسبوع للمبادرة الخليجية والتنحي عن السلطة. إلا أن «الراقص مع الثعابين»، اختار مع انتهاء المهلة أن يعود إلى صنعاء، معيداً خلط الأوراق على طريقته الخاصة، ومثيراً تساؤلات عديدة، إن لناحية الأسلوب الذي طبع عودته، أو نياته، فضلاً عن التساؤلات عن موقف السعودية، التي كانت حتى الأمس تستضيفه على أراضيها لمدة فاقت ثلاثة أشهر وتولى مسؤولوها الترويج، منذ أيام أن صالح يتجه للرضوخ لطلب تنحيه، قبل أن يتبين أن هذه التصريحات لم تكن إلا للتضليل، بعدما حطّ صالح في اليمن بموافقة سعودية، وتحديداً النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز.


وفيما حرصت مصادر رسمية على تبرير موقف السعودية من عودة صالح، بالقول إن عودته «تأتي بهدف الإعداد للانتخابات وإعادة ترتيب البيت اليمني»، أكدت مصادر مقربة من دوائر صنع القرار في السعودية لـ«الأخبار»، أمس، أن نقاشات حصلت بين الملك السعودي، عبد الله بن عبد العزيز، ووزير الداخلية، خلال الأسبوع الحالي أفضت في نهاية المطاف إلى التوافق على السماح للرئيس اليمني بالعودة إلى اليمن، رغم المخاوف التي تثيرها عودته في نفوس اليمنيين، وتحديداً لجهة تجدد الحرب.
ووفقاً للمعلومات، دفع وزير الداخلية السعودي لعودة صالح إلى اليمن لسببب رئيسي مرتبط بالرغبة السعودية في الحفاظ على مصالحها في اليمن، التي لن تجد أفضل من صالح ليمثلها، رغم مساوئه التي خبرتها وعايشتها على مرّ سنوات. وبناءً على ذلك، يمكن الذهاب في حساب عودة صالح على أنه شأن سعودي صرف يسعى إلى ضمان عدم انفلات الوضع أكثر مما هو عليه، مع بقاء اليمن تحت سيطرة شخص مخلص للمملكة ويمكن التحكم فيه إزاء قضايا لا تزال تؤرق بال القيادة السعودية، أهمها الملف الحوثي، الذي تعتقد السعودية أنه إذا ما دعت الحاجة إلى مواجهة الحوثيين ضمن أي تبدلات اقليمية قد تشهدها المنطقة، فمن الأفضل أن يقوم صالح بهذه المهمة، لا أن تضطر هي إلى الدخول من جديد في حرب ثانية معهم، بعدما خبرت جيداً قدراتهم القتالية وتيقنها أن ما كان الحوثيون في الحرب السادسة يمتلكونه من تدريب ومعدات قد تضاعف بالتأكيد منذ ذلك الحين.
لذلك، إن مسألة رحيل صالح بهذه السرعة لن يكون مرحباً بها من المملكة، على عكس الرغبة الأميركية بضرورة تنحي صالح وإغلاق الملف اليمني نهائياً للتفرغ لملفات أخرى في اليمن، بما في ذلك ملف مكافحة عناصر تنظيم القاعدة أو ملفات أخرى في منطقة الشرق الأوسط التي تموج بالحراك، ومن أهمها الملف السوري الذي لا يبدو أن حلاً قريباً يلوح في أفقه.
ولذلك فإن عودة الرئيس اليمني إلى صنعاء في ظلام فجر يوم الجمعة، بدت كأنها أتت في مهمة لا تحتمل التأجيل جلاى إبلاغه بها، وما كان عليه إلا تنفيذها بصورة عاجلة لم تُمكّن قيادات حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم من ترتيب مراسيم استقبال حاشدة له. عاد صالح بلا أي ضجيج ولا مناصرين في استقباله، وهي القيادات نفسها التي طالما تحدثت في مناسبات عدّة عن عودة صالح خلال أيام تتوافق مع تواريخ متعلقة بمناسبة صعوده إلى الحكم أو بمناسبة ذكرى حرب 7 يوليو 1994، لكن كل هذا لم يتحقق فعلياً، ليعود صالح قبل يومين فقط من الذكرى التاسعة والأربعين لثورة السادس والعشرين من أيلول.
وقال مصدر إعلامي في حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم، فضل عدم ذكر اسمه، لـ«الأخبار» إنه لا أحد في القيادات العليا في المؤتمر كان على علم بوصول صالح، حتى الأمين العام المساعد للحزب نفسه سلطان البركاني لم يكن لديه علم بوصول صالح. وقد ظهر قبل يومين على التلفزيون المحلي متحدثاً بإيجابية عن أحزاب المعارضة اليمنية التي «تفهمت استحالة إجراء انتخابات مبكرة خلال ستين يوماً من الناحية العملية وما يتعلق بها من تصحيح لجداول الناخبين وإعادة تأليف لجنة انتخابات عليا جديدة أو من ناحية التجهيزات اللوجستية»، وذلك تماشياً مع الأخبار التي حملتها الأيام القليلة الماضية عن اقتراب تنحي صالح، بعد خروج مصدر سعودي رفيع المستوى ليتحدث عن أن نائب الرئيس صالح سيوقّع على المبادرة الخليجية خلال أسبوع، وهي المهلة التي كانت قد حددتها له واشنطن للتوقيع، فيما اختارها الرئيس اليمني للعودة إلى اليمن، متحدياً كل دعوات تنحيه.
ويبدو من خلال التصريح الأول الذي افتتح به صالح وصوله إلى صنعاء، ودعوته، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية «سبأ»، «كافة أطراف العمل السياسي والعسكري والأمني في السلطة والمعارضة إلى هدنة كاملة وإيقاف إطلاق النار تماماً بما يتيح العمل لإفساح المجال للتوصل إلى الاتفاق والوفاق بين كل الإطراف السياسية»، أن عودته كانت حتمية من وجهة نظر سعودية بعد فشل الأمين العام لمجلس دول مجلس التعاون الخليجي في التوصل إلى اتفاق يعمل على فرض هدنة على الأرض تمكن مختلف الأطراف من التوصل إلى حل يمكن من خلاله التمهيد لتوقيع المبادرة الخليجية، وعلى آلية تنفيذها. وكان لأحزاب المعارضة اليمنية رأي خلص إلى رفض مقابلة الزياني وسط هذه الظروف الصعبة التي «لا تزال فيها دماء اليمنيين تسيل في الشوارع». أما من الجهة الأخرى، فكان تصلب قائد قوات الحرس الجمهوري، أحمد علي عبد الله صالح، سبباً في دفع الزياني ليخرج مبكراً من الاجتماع بعدما وجد نجل الرئيس متمترساً عند مسألة الحسم العسكري والمواجهة مع من سماهم «الخارجين عن الشرعية الدستورية ومن خانوا القسم العسكري»، في إشارة منه إلى اللواء المنشق علي محسن الأحمر قائد الفرقة أولى مدرّع.
لكن مع خروج عبد اللطيف الزياني المبكر من ذلك الاجتماع الذي عقد في مقر السفارة الإماراتية بصنعاء وبحضور السفير الأميركي وممثلين عن الاتحاد الأوروبي، حرص الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي قبل مغادرته اليمن على لقاء نائب الرئيس عبد ربه منصور هادي وأخبره أن إمكانية التوصل الاتفاق لا تزال ممكنة، «لكن تبقى الكرة في ملعب السلطة» التي يمكنها القيام بخطوة إلى الأمام، فيما كان هادي يعاني بدوره ضغوطاً شتى دفعته إلى اتخاذ قرار بالاعتكاف في عدن وترك دفة الوضع في يد أحمد علي عبد الله صالح الذي أبدى تعنتاً كبيراً إزاء أي تفاهمات بشأن وقف إطلاق النار، قبل أن تعيد عودة صالح خلط الأوراق.
اعتكاف كان يتجه إليه هادي نتيجة فشل أوامره الخاصة بوقف فوري لإطلاق النار بين قوات الحرس الجمهوري والفرقة أولى مدرع من أن ترى النور، ما دفع بقيادة الجيش المنضم إلى ثورة الشباب بإرسال برقية احتجاج إلى عبد ربه منصور هادي بعدم التزام الطرف الثاني اتفاق وقف إطلاق النار. وما زاد الأمر سوءاً تعرض وزير الدفاع السابق، أحد القادة العسكريين الموالين للثورة، اللواء علي عبد الله عليوة، الذي كان يعد من الشخصيات العسكرية المقربة من هادي، لمحاولة اغتيال، لكنه نجا منها؛ لأنه كان يستقل سيارة بعيدة نسبياً عن موكبه الخاص. كذلك ذهبت أوامر نائب الرئيس بضرورة تأمين الحد الأدنى من الخدمات العامة إلى طبيعتها أدراج الرياح، ما جعله في موقف سيئ أمام اليمنيين، ما دفعه إلى إعلان مغادرته صنعاء متوجهاً إلى عدن، وهو ما كان يعني بصراحة خلو البلاد من أي قيادة شرعية معترف بها من المجتمع الدولي، وبقاء نجل الرئيس بمفرده ليواجه تبعات هذا الأمر.
وبناءً على هذا، يمكن تفسير عودة الرئيس صالح المفاجئة، بأن المعضلات الكثيرة التي وضعها نجله في طريق أي تسوية سياسية يمكن أن توقف نزف الدم اليمني وبلوغ التطورات إلى هذا الحد غير المسبوق الذي وصلت إليه، كانت تتطلب حضور صالح شخصياً إلى اليمن، بمباركة سعودية لإدارة الأزمة وحسمها لمصلحته، وهو ما تبين من خلال مسارعته إلى عقد اجتماع طارئ للجنة العليا للحزب الحاكم وتصعيد الوضع عسكرياً الذي تلا وصوله، وتحديداً في صنعاء، حيث سجل هجوم على أكثر من محور، وخصوصاً على الفرقة أولى مدرع، وعلى ساحة التغيير التي يتمركز فيها المعتصمون، وصولاً إلى منطقة كنتاكي التي تسيطر عليها الفرقة الأولى مدرع.
تطورات تحسبت منها الدول الغربية، وخصوصاً الولايات المتحدة. فسارعت مع إعلان نبأ عودة صالح إلى مناشدته توقيع مبادرة مجلس التعاون الخليجي والتخلي عن الحكم. وأدان المتحدث باسم الرئاسة الأميركية جاي كارني «استخدام القوة» ضد المتظاهرين، داعياً كافة الأطراف إلى الامتناع عن تصعيد القتال.
وقال كارني للصحافيين: «في ضوء عدم الاستقرار الراهن في اليمن، نحث الرئيس صالح على البدء بعملية انتقالية كاملة للحكم والاستعداد لإجراء الانتخابات الرئاسية قبل نهاية العام في إطار مبادرة مجلس التعاون الخليجي».
وعلى المنوال نفسه، دعت مفوضة الاتحاد الأوروبي للأمن والسياسة الخارجية كاثرين آشتون، الرئيس اليمني وكافة الأطراف في اليمن إلى ضبط النفس والامتناع عن العنف، وصولاً إلى إتفاق سياسي مبني على المبادرة الخليجية.
أما ألمانيا، فدعت على لسان الناطق باسم الحكومة، مارتن شافر، «الرئيس اليمني علي عبد الله صالح وكل الأطراف في اليمن إلى المضي قدماً في مفاوضات بهدف تجديد سياسي» في البلاد.




طائرة ملكية



كشف مصدر عسكري رفيع المستوى لـ«مأرب برس» تفاصيل عملية العودة السرية والمفاجئة للرئيس علي عبد الله صالح، إلى صنعاء، مشيراً إلى عملية تضليل تعرضت لها السلطات في مطار عدن. ووفقاً للمصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، وصل صالح إلى مطار عدن عبر طائرة ملكية سعودية.
وأضاف المصدر أنّ مطار عدن أُبلغ منذ مساء أول من أمس، بأن وفداً سعودياً سيصل إلى عدن، وبناءً على ذلك جُهِّز المطار لاستقبال الوفد السعودي، مشيراً إلى أنه لدى وصول الطائرة الملكية إلى مدرج المطار، فوجئت السلطات الأمنية في مطار عدن بهبوط طائرة مروحية خاصة إلى مدرج المطار، وانتقال من كانوا يعتقدون أنه وفد سعودي رفيع إلى المروحية، وعدم انتقاله إلى صالة الاستقبال الخاصة باستقبال الوفود الرسمية الرفيعة.