دمشق | أحد أهم الأسئلة الموجهة للمعتقلين حالياً في مبنى الاستخبارات السورية العامة، وسواه من معتقلات الأجهزة الأمنية وفروعها، يتمحور حول إحدى النقاط شديدة الفاعلية والأهمية في الحراك السوري، وهي «التنسيقيات»، أكانت بصيغ اللجان التنسيقية المحلية أم «اتحاد تنسيقيات الثورة السورية»، أو حتى صيغ «الأحرار»، و«التنسيقيات الحرة» و«لجان العمل الوطني». الأسئلة مكثَّفة حول بناها التنظيمية ومنتسبيها وخريطتها وهرمها التراتبي. إذاً، بات مبنى الاستخبارات مخصَّصاً لشباب «التنسيقيات».


ملء الفراغ

ابتداءً من عام 1979، دخلت سوريا في مواجهات مسلحة بين «الطليعة المقاتلة»، الجناح العسكري المنشقّ عن «الاخوان المسلمين» والأكثر راديكالية، من جهة، وبين السلطة السورية المرهقة الخارجة من صراعاتها الداخلية، ومن حرب تشرين مع إسرائيل، وصاحبة الاحساس العميق بالخذلان من جراء الصلح المنفرد للسادات، والداخلة في حروب لبنان الداخلية طرفاً محايداً ثم محارباً ضد الجميع ومع الجميع، وإلى جانب جار عراقي، أخ في العقيدة وعدو في كل ما عداها. على اثر هذه المواجهات، صار الداخل السوري والمجتمع تفصيلاً وهمّاً اضافياً، تُركت معالجته وإدارته لبعض الأجهزة الأمنية التي سحبت السياسة من التداول اليومي، وحلّت النقابات، وطاردت الأحزاب عن يمينها ويسارها، وأخرجت بالتالي المجموع السوري إلى مرتبة الخوف والترقُّب والانتظار على أبواب السفارات والرحمة الإلهية، بتكلفة بشرية باهظة من قتلى ومعتقلين. من هنا، ولدى وصول قطار الاحتجاجات الشعبية إلى محطته السورية، فوجئ السوريون بأنهم كانوا قد أُبعدوا عن السياسة والتنظيمات، وحُرموا من حقوق أساسية وطبيعية، وفقدوا مرانهم ونسوا قدراتهم، فكانت المهمة شديدة الصعوبة عليهم، إذ إن المطلوب منهم هو، بصعوبة، الانتقال من الحبو إلى الطيران. كان السؤال الموجع: ما الذي يملكه الشارع السوري كأدوات للتغيير السلمي سوى أحزاب معارضة مُتَخفية أو علنية، شاب شعرها وانقطعت أنفاسها من ثقل الاستبداد، والبعد عن الشارع بصفة تنظيمية، وأحياناً كثيرة بسبب فروق ثقافية؟ على الأرض والواقع، لم يمتلك السوريون وخاصة شبابهم، وحتى فترة قصيرة قبيل صحوتهم، أي ملمح أو ضرورة تنظيمية، ولا حتى أدنى تخيل عما يجب فعله في ظروف مماثله، لأن ما حدث كان المستحيل بعينه.
اذاً لم تولَد حركة الشعب السوري وبالتالي التنسيقيات وغيرها من التنظيمات حديثة العهد، في أيام عمل الرب ولا استراحاته، بل استغرقت صبراً قارب العقود الخمسة من تكتميم المجتمع ومنعه من تنظيم ذاته وادارة موارده الحية وإغلاق منافذه الحيوية. كانت استجابة تطورية اجتماعية طبيعية لمحاولة فك الوثاق والأربطة التي كُبِّل بها المجتمع السوري.
والتنسيقيات، بحسب تعريفها لنفسها، هي منظمات غير حكومية NGOs، تُعنى بالمجتمع المدني في سوريا، وتشير بوضوح من خلال اسمها إلى الرغبة والعطش لدى الشباب للتنظيم السلمي، وتحشيد الطاقات والامكانات لدى المجتمع في أعمال متناسقة، لا تشكل عزفاً منفرداً كما هي حال المعارضات التقليدية، بقدر ما تسعى إلى انجاز أعمال جماعية تتسم بالتآلف والانسجام لتحقيق هدف أساسي صريح، وهو تفكيك النظام الأمني، أو من خلال الشعار الأكثر شهرة: إسقاط النظام.

ظروف الولادة

ومنذ انطلاق التحركات في منتصف آذار الماضي، برزت الحاجة الضرورية إلى نقل الاحتجاجات من شكلها العفوي الجماهيري إلى أبعاد جديدة تصعّب على السلطات عمليات القمع وتؤمن الحد الأدنى من الأمان للمحتجّين، وإدخال طرق عملية للنضال السلمي مع استخدام التقنيات الحديثة والانترنت في ظل التعتيم الممارَس وسياسات البيت السوري المغلَق على أبنائه. بدأت البوادر الأولى لما سيُسمّى لاحقاً بالتنسيقيات، وهي كبنية مفردة أولية عبارة عن لجان تقوم بمهام وتجارب إدارية تضم مجموعة من ممثلي الكتل البشرية الفاعلة في الشارع، بدأت في الأحياء والمناطق السكنية المحلية، من منطق التعارف وزرع الثقة، وخاضت عبر سلسلة طويلة من تجارب الصح والخطأ عملية البناء لبناها الداخلية. ولاحقاً، اتضح أنها حالة تنسيقية اعلامية وليست قيادية للحراك الجماهيري. ومن هنا تتأتى أهمية اسمها اللاحق: تنسيقيّة، وهي مكونة بشكل أساسي من مجموعة إعلامية، مهامها التغطية الاخبارية للحدث، ونقله الى وسائل الاعلام العربية والدولية، وهذا يقتضي بالضرورة معرفة واسعة بالتقنيات والانترنت، وبالتالي فإنّ معظم أعضائها هم من الشباب المتعلِّم، وهذه المجموعات مستقلة نسبياً عن باقي جسم التنسيقية إن وُجد؛ ففي كثير من الأحيان والأماكن، اقتصرت التنسيقية على شطرها الاعلامي، وخاصة في المناطق الهادئة نسبياً. أما التنسيقيات الفاعلة الكبيرة، فتشمل مجموعة تخطيط تقوم بدراسة مواقع التظاهر، وتأمين المخارج والمداخل، والتوقُّع للزمن المتاح للتظاهرة قبل التدخل الأمني، وبالتالي تحديد خط سير التظاهرات.
في كل ما سبق، لا نجد متسعاً للسياسة، ولا للآفاق المتاحة لتطوير الفعل الاحتجاجي. وبعد الامتداد الأفقي للتنسيقيات، وتماثل تجاربها تقريباً بحكم مواجهتها لنفس العنف السلطوي مع ظهور نشاط سياسي محموم قامت به القوى السياسية المعارضة التقليدية والمنظمات الحقوقية والمثقفين، ظهرت الحاجة إلى تبلور سياسي ناضج يواكب أهمية الحدث، فظهرت بعض اللجان ذات التمثيل النسبي كحلقات وسيطة بين السياسة والتنسيقيات (لجان العمل الوطني). واستمر الدفع لإيجاد أطر سياسية ورؤى ومخارج للوضع القائم بعدما ظهر أنه سيطول. من هنا، جاءت محاولات جديدة تمثّلت بنحو رئيسي بـ«اللجان التنسيقية المحلية»، و«اتحاد تنسيقيات الثورة السورية».

اتحاد التنسيقيات والهيئة العامة للثورة

بحسب تعريفه لنفسه، فإنّ «اتحاد تنسيقيات الثورة السورية» هو شخصية اعتبارية تضم التنسيقيات التي تنضوي تحته، ومهمته تمثيل الحراك المدني على الأرض سياسياً وإعلامياً وتنسيق العمل وتوحيده ميدانياً، بالإضافة إلى تشكيل قاعدة لمجلس من شباب «الثورة» وناشطيها لحماية أهدافها وضمان تحقيقها بنحو كامل. وفي بيانه التأسيسي بتاريخ 1 حزيران 2011، يقول الاتحاد: «في اجتماع ممثلي عدد من التنسيقيات المحلية للثورة السورية في مدينة دمشق وريفها ودرعا ودير الزور وحمص، اتفقت تلك التنسيقيات على قرار الاتحاد في تجمُّع تمثيلي يشكل نواة لتأسيس اتحاد تنسيقيات الثورة السورية». ويحدّد البيان التأسيسي شروط الانضمام إلى الاتحاد بالنسبة إلى تجمُّعات التنسيق المحلية من كل المناطق والمدن والأحياء السورية، وتكون عضويتها بناءً على «نشاطها في تنسيقية ميدانية أو إعلامية ذات ثقل في منطقتها والمشاركة الفاعلة في نشاطات الثورة، والتزامها بدماء الشهداء وحقوق الشارع السوري الثائر، وبما يصدره الاتحاد بغضّ النظر عن أي انتماءات أخرى لأعضائه أياً كانت، فالاتحاد لا يمثلُ أي حزب أو طرف سياسي». وكان لهذا البيان شكل الدعوة المفتوحة إلى باقي تجمعات التنسيق للانضمام الى الاتحاد.
وبتاريخ 18 آب 2011، صدر البيان التأسيسي لـ«الهيئة العامة للثورة السورية»، مبرِّراً ولادتها بـ«الالتزام بضرورة العمل المشترك، والحاجة الملحّة إلى توحيد الجهود الميدانية والاعلامية والسياسية ولضرورة الانصهار ببوتقة عمل واحدة، توحّد الرؤية لدى الثوار بمختلف الائتلافات والتنسيقيات، والتي تتمثل بدايةً بإسقاط النظام ومؤسساته القمعية والنفعية، ثم بناء سوريا بما هي دولة ديموقراطية مدنية ودولة مؤسسات تضمن الحرية والمساواة والكرامة واحترام حقوق الإنسان لكافة مواطنيها». ويدعو البيان التأسيسي نفسه «بقية التنسيقيات والتكتلات والتجمعات إلى التوحد ضمن هذه الهيئة، لما في ذلك من مصلحة تخدم أهداف الثورة وتوصل صوتها لكل أصقاع الدنيا، لنقدّم رؤيتنا بشكل موحَّدٍ يرقى إلى جهود الفاعلين على الأرض في كل مدينة وقرية سوريّة». والهيئة ناتجة من اندماج كافة التجمعات السورية الموقعة على البيان، وهي تضم بالاضافة الى اتحاد تنسيقيات الثورة السورية، نحو 50 تنسيقية وتجمعاً وشبكة وصفحة إلكترونية. علماً أن الاتحاد بحد ذاته يضم 56 تنسيقية منها ما هو ميداني، وبعضها أذرع اعلامية فقط مثل «شبكة فلاش الاخبارية» و«شبكة شام»، وبعضها ناشط على الانترنت كـ«اتحاد قراصنة سوريا الأحرار لدعم الثورة السورية».

لجان التنسيق المحلية

يغلب عليها التنظيم والوضوح في الرؤية السياسية. ومثلما يتّضح من منشوراتها، فإنه «مع انطلاق الثورة السورية، تشكلت العشرات من المجموعات الصغيرة على امتداد سوريا، أخذت كل منها على عاتقها مهمة الاجتماع والتخطيط والتنظيم على الأرض وفي نطاقها المحلي. ومع تطور سير الاحتجاجات، سعت هذه المجموعات إلى تنظيم أكبر في ما بينها لتحقيق التواصل والتنسيق في حراكها الميداني وموقفها السياسي، تحت اسم لجان التنسيق المحلية في سوريا، بحيث ضمت حتى الآن ممثلين عن نشطاء الميدان في معظم المدن السورية وكثير من مناطقها». ولدى «لجان التنسيق» مكتب إعلامي، كما أسست لجاناً في المهجر، وهي تساهم في «التواصل مع الاعلام الغربي وإيصال الصورة الحقيقية لما يجري في سوريا، ومحاولة الضغط على الرأي العام العالمي شعبياً واعلامياً، من خلال نشاطات الجاليات والقوى الداعمة للثورة لزيادة الدعم الدولي لمطالب الشعب السوري بالحرية والديموقراطية، والتواصل مع القوى السياسية في الخارج، سواء السورية أو الدولية، للدفع باتجاه تشكيل هيئة وطنية تمتلك الدعم والشرعية من الداخل وتفعيل العلاقات مع الدبلوماسية الدولية، بهدف نزع الشرعية عن النظام السوري ودعم الخط السياسي الملتزم بأهداف الثورة والموازي والداعم لها، لحقن دماء السوريين».
كذلك تُعَدّ هذه «اللجان»، بالاضافة إلى الاتحاد، من التنظيمات القليلة الواقعة في تماس ميداني مع الشارع وحركته، وهي ملتزمة بإيضاح الخط السياسي الذي اختصرته بعد ثلاثة أشهر من تفجر التظاهرات، في ما سمته «رؤية لجان التنسيق المحلية لمستقبل سوريا السياسي»، في محاولة لتحديد عناصر الرؤية السياسية «لإنقاذ البلاد»، وهي تصدر بياناتها باستمرار لإيضاح مواقفها تجاه المستجدات.

تحالفات وائتلافات أخرى

ظهرت قوى وتنظيمات جديدة وائتلافات سياسية وتحالفات، يجمع بينها جميعاً تبلورها من عمق الشارع وحركته. هكذا، يجد المراقب تحالف «غد الديموقراطي»، الذي يهدف أساساً إلى «السعي مع جميع القوى الميدانية والسياسية لتعزيز العمل الميداني والإعلامي والسياسي لتأمين انتقال سلمي للسلطة يبدأ بإسقاط النظام لإطلاق عملية بناء الدولة المنشودة». كذلك يضع نصب عينيه تشجيع الشرائح الاجتماعية الصامتة لتنخرط في فعاليات الاحتجاجات. ويعتمد التحالف في عمله على بنية تشاركية بين جميع الأطراف مع الحفاظ على خصوصيتها. وهو يضم مبدئياً ثلاث قوى فاعلة هي: «حركة 17 نيسان للتغيير الديموقراطي في سوريا»، و«تجمع نبض للشباب المدني السوري»، و«لجان التنسيق المحلية». من جهة أخرى، نجد ائتلاف اليسار بما هو اتجاه سياسي واضح المعالم. والمحاولات لتوحيد القوى الفاعلة على الأرض لا تزال مستمرة، وإن كانت تتم في الداخل السوري حيناً، وخارجه أحياناً، بسبب ضرورات أمنية ولوجستية. كل ذلك في ظل توفّر امكانيات التواصل التقنية الحالية، مع إعطاء مجال أوسع للسياسة، وآخرها كان التوافق بين لجان التنسيق المحلية واتحاد تنسيقيات الثورة السورية كل على حدة، حول الإعلان عن تأسيس «المجلس الوطني السوري» الذي يهدف، بحسب بيانه التأسيسي، إلى «دعم قضية الشعب السوري العادلة بكل مكوناته وصولاً إلى إسقاط النظام وإقامة دولة مدنية ديموقراطية تعددية».




نجاحات وإخفاقات

حازت التنسيقيات والتنظيمات الجديدة ثقة الداخل والخارج بسرعة، ونقلت معاناة الشارع السوري وظروفه إلى العالم. وقد أسهمت في صوغ مزاج سوري عام يرفض التدخل الخارجي والعنف والطائفية من خلال التغطية الاعلامية وملاحقة قضايا الضحايا والمعتقلين، وهي تسهم يومياً في نقل الوعي الجماعي إلى حالة مدنية في مواجهة النظام. ورغم الظروف الصعبة لنشاطها، إلا أنّها لا تزال تصرّ على العمل الاعلامي ضمن معايير مهنية مقبولة نسبياً، أكان في عدم إصدار لوائح ضحايا عنف النظام إلا بإيراد الأسماء، أم بالتأكُّد من أكثر من مصدر من دقّة معلومة تزوّد بها وسائل الاعلام. وقد تعرّضت «التنسيقيات» منذ ولادتها لحملات عنيفة من أجهزة الأمن التي نفّذت حملات مداهمة واعتقال طاولت جميع المدن بحثاً عنهم. كذلك نفّذت القوى الأمنية الكمائن وعمليات الاختطاف لأركانها. ويرجّح مراقبون أن جزءاً كبيراً من الجيل الأول في التنسيقيات قد صار ضمن المعتقلات أو قُتل، وهو ما خلّف فراغاً كبيراً في فترة قصيرة جداً، ما أضعفها نسبياً. ورغم كل ذلك، فإنّ التنسيقيات تتعلّم بسرعة شديدة، والأجيال الجديدة من أعضائها هم أكثر حذراً وأشد فاعلية.