عاشت منطقة وسط البلد في القاهرة ليلة درامية، أول من أمس، لم ينقص المشهد التوابل على طريقة أفلام هوليوود. ظلام خفيف أحال الشوارع القريبة من ميدان التحرير ومنطقة ماسبيرو «مبنى التلفزيون» إلى منطقة أشباح، كر وفر بين المتظاهرين الذين خرجوا في مسيرة سلمية من منطقة «شبرا» مروراً بمنطقة رمسيس وصولاً إلى ماسبيرو. وصلت قمة الدراما لحظة وصول الأقباط أمام المبنى على كورنيش النيل، تأهب كبير من قوات الشرطة العسكرية التابعة للجيش، شائعات تخرج من التلفزيون المصري تحذر من الاشتباك مع درع الوطن الباقي ـــــ قوات الجيش ـــــ مذيعون يحذرون من نار الفتنة التي ستأتي على الأخضر واليابس في مصر. المشهد يكتمل، المسيرة تشق طريقها وتصل إلى ماسبيرو، والمتظاهرون يرفعون الصلبان ويرددون ترانيم وهتافات تطالب بحرية الأقباط في بناء الكنائس وتندد بأحداث كنيسة مارجرجس، في قرية المريناب، مركز إدفو، بمحافظة أسوان. قائمة مطالب المتظاهرين، ضمت إقالة محافظ أسوان، اللواء مصطفى السيد، بسبب تصريحاته التي عدّها المتظاهرون مسيئة، والتحقيق مع مدير أمن أسوان، والقبض على المعتدين على الكنيسة، وسرعة إصدار قانوني دور العبادة الموحد ومنع التمييز.

مطالب مشروعة وقديمة أراد بها النظام السابق أن يلعب على المشاعر الدينية بين المسلمين والأقباط. هذه المرة فشلت المؤامرة؛ لأن عدداً غير
قليل من المسلمين شاركوا الأقباط في المطالب. الأسبوع الماضي، خلال إعلان التظاهرة، لم تكن هناك أي نيّة لاعتصام المتظاهرين أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون، إلا أن إعلان المتظاهرين، يوم الثلاثاء الماضي، الاعتصام فجأة، كان له بالغ الأثر في إصرار الجيش على عدم دخول المتظاهرين ساحة مبنى الإذاعة والتلفزيون.
انطلقت المسيرة، كما كان مقرراً لها، الساعة الثالثة والنصف عصر أول من أمس، من دوران شبرا، في اتجاه ماسبيرو. وفي الطريق، شهدت المسيرة انضمام حشود ضخمة، نظراً إلى الكثافة السكانية للأقباط في منطقة شبرا. وزاد من حماسة المتظاهرين، انتشار شائعة وجود الأنبا يوأنس، السكرتير الشخصي للبابا شنودة الثالث، إضافة إلى عدد من الكهنة، الذين اعتادوا المشاركة في تظاهرات الأقباط. وصلت المسيرة إلى منطقة ماسبيرو، قرابة الخامسة عصراً، وقد تجاوز عدد المشاركين فيها عشرة آلاف، ووصلت بعض التقديرات إلى نحو 50 ألفاً. هنا انقسم المتظاهرون إلى فريقين، منهم من أراد الوصول إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون، عبر الشارع المجاور لفندق «هيلتون رمسيس»، ومنهم من فضل التحرك عبر الكورنيش.
الشرطة العسكرية بدورها استبقت المتظاهرين، وأحكمت السيطرة على جميع مداخل ساحة مبنى الإذاعة والتلفزيون، وأقامت حواجز على جميع المنافذ، ولحظة وصول الأقباط، أطلقت قنابل مسيلة للدموع، بهدف تفريقهم. ظلت الاحتكاكات خفيفة بين الطرفين، حتى اعتدى المتظاهرون على أعمدة الإضاءة وحطموا عدداً كبيراً منها، إحساساً منهم بالعجز، في مواجهة قوات الجيش.
وسط الاحتكاكات، بدأت مدرعات الجيش تتحرك وتحاول تفريق المتظاهرين، فحاول المتظاهرون التصدي لها، وهنا سقط أول قتيل تحت عجلات المدرعة، لتنطلق شرارة الغضب بين الجموع الغفيرة التي سدت طريق الكورنيش تماماً. حمل المتظاهرون القتيل وجابوا أنحاء المنطقة وبدأوا في اقتحام الحاجز الأمني وإشعال النيران في 3 سيارات خاصة، وأوتوبيس تابع للقوات المسلحة والمدرعات العسكرية الموجودة في المنطقة، التي كانت تقف في منطقة التماس مع المتظاهرين.
ازدادت الصدامات، وعندما بدأت قوات الجيش هجومها الضاري، رد المتظاهرون بالحجارة وقطع حديدية اقتلعوها من جسر 6 أكتوبر، فواصلت قوات الجيش والأمن التصدي للمتظاهرين، وخرجت معظم المدرعات لتفريقهم، وهو ما سبب سقوط العديد من القتلى والمصابين بين المتظاهرين الأقباط.
كل هذا كان يحدث في ظل تجاهل تام من التلفزيون المصري، الذي وصف الأحداث بالمناوشات، وعندما بدأ في نقل وقائع ما جرى ركزت كاميرات ماسبيرو على المتظاهرين وهم يقذفون قوات الأمن بالحجارة، وعلى الفور التقط مذيعو ماسبيرو الخيط وبدأوا فى مناشدة الناس التصدي للذين يعتدون على جيش مصر، حتى إن إحدى المذيعات طلبت من الناس أن ينزلوا لحماية أفراد الجيش. لم ينته الأمر عند هذا الحد، بل تطور إلى إذاعة خبر ظل يتردد على مدار المواجهات، أن المتظاهرين الأقباط يحملون أسلحة آلية ويعتدون على قوات الجيش. لذلك، لم يكن غريباً أن يخرج الجميع ويتهموا التلفزيون بأنه أحد صناع الكارثة بتحريضه على المتظاهرين. وما أسهم في كشف تفاصيل المؤامرة، كما سماها رئيس الوزراء عصام شرف في بيانه المقتضب والعائم، أن قوات الشرطة العسكرية هاجمت قناة 25 أثناء بثها وقائع ما يجري أمام مبنى التلفزيون، حتى إن مذيعة القناة صرخت على الهواء مباشرة. حاول القائمون على القناة التغلب على ما حدث وعادوا للبث من مكان آخر، لكن القوات نفسها عادت مرة أخرى وهاجمت القناة.
ظلت الأحداث بين شد وجذب حتى انضمت قوات من الشرطة إلى قوات الجيش المتمركزة أمام مبنى التلفزيون، ومع وصول الشرطة، ظهرت جماعات من البلطجية، وحاملي السيوف، وتراجعت مواجهات قوات الجيش مع المتظاهرين، وتقدم الوافدون لمواجهة المتظاهرين، ما أدى إلى وقوع مزيد من الضحايا. حتى إن بلطجية يركبون الدراجات البخارية ويسير خلفهم شباب يحملون السيوف والجنازير طاردوا المتظاهرين في شوارع وسط البلد.
أثناء ذلك، أصدر البابا شنودة الثالث، قراراً لجميع الأساقفة والكهنة بمنع الظهور في الإعلام، حتى لا يُسجل موقف، يُحسب على الكنيسة في ما بعد، حيال ما يحدث. مع حلول الساعة العاشرة مساءً، تزايد عدد الوافدين من المناطق القريبة من منطقة ماسبيرو، وتراجع عدد المتظاهرين بشدة، حتى اختفى المتظاهرون، تماماً، وظهرت على الساحة عناصر أخرى، كان من بينها أنصار الجماعات السلفية، التي ترددت أنباء عن تنظيم السلفيين تظاهرة من ماسبيرو حتى ميدان التحرير تندد بتظاهرات الأقباط.