انتقلت المواجهة الخارجية مع سوريا من المسرح الإعلامي والدبلوماسي العام الى داخل مؤسسة الجامعة العربية، التي واجهت امس اختباراً هو الأول من نوعه منذ زمن بعيد. تمثل في محاولة دول عربية تحويل ملف الأزمة السورية الداخلية الى ملف عام يتيح للجامعة نفسها ولآخرين التدخل فيها، بعدما رفضت مناقشة أي مقترح يتعلق بتجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية بناءً على ضغوط، بعضها ناجم عن مداخلات أميركية وفرنسية، وبعضها الآخر ناجم عن مطالبة المعارضة السورية الموجودة في الخارج بالأمر.


وكان لافتاً أن مصر هي الطرف الأبرز الذي رفض الفكرة، بينما انتقل البحث الى مقترح وساطة بين الحكم في سوريا والمعارضين الموجودين في الخارج والمتمثلين حالياً بالمجلس الوطني.وإذ أبدت سوريا تحفظاً داخل الاجتماع على المقترح، وخصوصاً على تولي قطر رئاسة الوفد الذي سيزور سوريا لهذا الغرض، فإن مراجع سورية أبلغت «الأخبار» بأن «الفكرة غير واردة للبحث على الإطلاق لدى القيادة السورية. وأن النقاش سوف يكون أيضاً حول احتمال استقبال الوفد العربي من عدمه». وقالت المراجع، «إن ما خرج به الاجتماع العربي أمس هو محاولة جديدة للتدخل في شؤون سوريا الداخلية، وإنه يعكس استجابة من بعض العواصم العربية لضغوط أميركية وأوروبية، وإن سوريا لن تقبل بهذا الأمر على الإطلاق».
وجاء قرار الوزراء العرب، في ختام اجتماع طارئ بدعوة من دول مجلس التعاون الخليجي، على شكل مبادرة بتشكيل لجنة وزارية برئاسة وزير خارجية قطر وعضوية كل من الجزائر والسودان ومصر وعُمان والأمين العام لجامعة الدول العربية لإجراء اتصالات بين الحكومة السورية والمعارضة من أجل عقد اجتماع بينهما في مقر الجامعة العربية للعمل على وقف العنف وتردي الأوضاع على الساحة السورية، وذلك خلال 15 يوماً. كما تقرر إبقاء الاجتماع الطارئ مفتوحاً لمتابعة التطورات المتعلقة بالوضع السوري.
ورفض المجلس، في البيان الذي تلاه رئيس الوزراء القطري، وزير الخارجية حمد بن جاسم آل ثاني، أعمال العنف في سوريا، وطالب بوقفها فوراً تفادياً لسقوط المزيد من الضحايا، داعياً الى حل الأزمة السورية عبر الحوار الوطني. وسجَّل حمد بن جاسم، بصفته رئيساً لمجلس الجامعة العربية، في بداية مؤتمر صحافي مشترك عقده والأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي، تحفّظ سوريا على البيان.
وقد سبقت جلسة مجلس الجامعة، التي تأخرت إلى المساء، لقاءات تشاورية بين مجموعة من الوزراء في أحد الفنادق في القاهرة. ونقلت وكالة «يونايتد برس انترناشونال» عن دبلوماسي عربي قوله إن «تأخر انعقاد الاجتماع يعود إلى خلافات كان يجري احتواؤها». وأوضح أن «الخلافات دارت بشكل خاص حول طرح فكرة تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية أو حتى توجيه أي انتقاد لسياسات النظام السوري، باعتبار أن أي طرح في هذا الاتجاه يمثّل تدخلاً بالشأن الداخلي السوري».
وقال دبلوماسي عربي، شارك في الاجتماعات التشاورية، إن جميع الوزراء أيدوا وضع حد لإراقة الدماء، لكنهم اختلفوا على سبل ضمان ذلك. وأوضح أنه جرت مناقشة تعليق عضوية سوريا والاعتراف بالمجلس الوطني السوري المعارض، «لكن غالبية الوزراء اعتبروا أن من الضروري إعطاء فرصة لمحاولات الأمين العام (للجامعة) تأمين تنفيذ الإصلاحات الضرورية في أسرع وقت» في سوريا. وبعد تأخر عن الموعد المقرر، افتتح الوزراء الجلسة العلنية بكلمة للمندوب السوري يوسف الأحمد، الذي اعتبر أن توقيت الدعوة لعقد اجتماع لوزراء الخارجية العرب «غريب ومريب». وقال «جاء توقيت هذا الاجتماع غريباً ومريباً، ونرجو ألا يكون مرتبطاً بفشل تحرك الولايات المتحدة وأوروبا ضد سوريا وإن كنا نظن ذلك»، في إشارة الى التحرك الأميركي والأوروبي لاستصدار قرار في مجلس الأمن يدين قمع النظام لحركة الاحتجاج في سوريا.
وبعدما ندد بالموقف الأميركي الأوروبي من الأحداث في سوريا، رحب المندوب السوري بموقف روسيا والصين اللتين «واجهتا التحرك الأميركي الأوروبي بكل شجاعة وحكمة»، داعياً الدول العربية الى أن «تتحمل مسؤولياتها وأن تمتثل بموقف» هاتين الدولتين. وأضاف «إننا في سوريا نقدر عالياً الموقف المشرّف والعقلاني لكل من روسيا والصين، ونعتبر أنه أعاد التوازن والصدقية لمعايير العمل الدولية». كما شن حملة عنيفة على «أجهزة إعلام عربية» بسبب تغطيتها لأحداث سوريا. وقال في هذا الإطار «ندعو الأشقاء العرب الى السعي الجاد لوقف العملية الإعلامية التحريضية الممنهجة والموجهة التي تمارسها أجهزة إعلام عربية تعمل تحت ستار المبدئية والمهنية، وهي بعيدة كل البعد عن المهنية والأخلاقية»، مضيفاً إن «الغرض منها شيطنة السلطة والتحريض على هيبة الدولة».
ورد وزير خارجية قطر الشيخ على كلام المندوب السوري، قائلاً إن «دول مجلس التعاون الخليجي لم تطلب عقد هذا الاجتماع تحت أي أجندة او إملاءات، بل حرصاً على سوريا وشعب سوريا، ولسنا مطيّة بيد أحد».
وتواصل الاجتماع بعد كلمة المندوب السوري في جلسة مغلقة. وعن الجلسة المغلقة، قالت مصادر في الجامعة لـ«الأخبار» إنها كانت هادئة مقارنة بالجلسة الماضية، ولم تحصل فيها أي مشادات. المندوب السوري أعلن تحفظه على رئاسة قطر للجلسة، بسبب عدم حيادية دولة قطر في الملف السوري، لافتاً إلى أنه لا يقصد أن الرئاسة القطرية للجلسة غير محايدة، بل إن دولة قطر غير محايدة. بدوره، قال وزير الخارجية القطري، خلال حديثه عما يجب أن تفعله الجامعة العربية تجاه سوريا، «البعض يقول بوجوب تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية». وفي كلامه، لم يُظهر تبنّياً لهذه المقولة. وقد تحفّظ لبنان، على الفكرة، وتحدث وزير خارجيّته عدنان منصور عن «الروابط العميقة بين الشعبين، اللذين هما في الواقع شعب واحد في دولتين». لكن المفاجئ كان التحفظ المصري، إذ قال وزير خارجية مصر، كمال عمرو، «نحن نتحفظ على هذه الفكرة لما بيننا وبين سوريا من علاقات تاريخية ومن دم مشترك لشهداء سقطوا في الحروب المشتركة ضد إسرائيل». المندوب السوري تحفّظ على البيان لأنه «يريد استشارة قيادته على المقترح الذي يتضمّنه البيان».
(الأخبار، رويترز، أ ف ب، يو بي آي)