الى اين؟ سؤال في كل مكان، وفي كل جلسة، ما هو شكل المستقبل؟ هل ستقوم حرب اهلية، هل سينفجر بركان دم؟ هل ستتحول مصر الى امارة اسلامية؟ هل سيحتل الجنرالات الدولة من جديد؟ الغموض هو المناخ المناسب لاستحضار الروح التسلطية، التي لم تغب لحظة، لكنها هربت على ايقاع الثوار في ميدان التحرير «مدنية... مدنية». نداء الجمهورية الجديدة كانت عينه على الجنرال، لكنه ايضاً يحلم بنظام لا حماية له الا قوة المجتمع، التي وضعت اصابعها في كتلة السلطة الصلبة. اصابع المجتمع تتألم الآن بعد محاولات خلعها، واعادة بناء الجمهورية التسلطية بعد طلاء جدرانها وتزيينها بصور مختارة من كتالوج الشهداء.


في الغموض تنشط الاشباح، وتعود في صورها العصرية وأقنعتها الجديدة، رغم كهولتها البادية، وشراستها المقيمة تحت غلاف الطيبة. ماذا سيحدث بعدما تعطلت كل مسارات المجلس العسكري او فشلت، وكأنهم يقودون سيارة بدون سابق معرفة ويسمون جنونهم العقل. السلطة الآن بيد الجنرالات، لكنهم لا يملكون ادوات للسيطرة، ليس امامهم الا نشر العمى والخوف... الخوف على الامن من اجهزة تبني شبكاتها في الظلام الآن. إنها اعادة بناء لجمهورية الخوف او الرعب كما كانت ايام مبارك، ولكن بأشكال جديدة، تحول الثورة الى ايقونات استهلاكية، وتركز على رموز الدولة لا تركيبها، فيصمم مهندس تابع للمجلس اطول سارية علم، كأن هذه علامة قوة الدولة، بينما تشهد الشوارع على مآسي صنعها ارتباك السلطة.
الثورة كسرت الخوف، والسلطة اليوم تحاول زراعته من جديد لتحصد شعباً خائفاً يهرول اليها، إما خوفاً من بلطجية وقطّاع طرق سيخرجون من شقوق المدينة، او من سلفيين ارهابيين سيحولون حياة الناس الى جحيم بسكاكين وخناجر وفتاوى تقطع الأذن. المجلس لم يهتم بإعادة بناء المؤسسة الامنية، اختار فقط التحالف مع جهاز القمع وتفعيله في السر للسيطرة... انها زراعة الخوف. لماذا تطارد الاجهزة الثوار بينما تترك العناصر النشطين من فلول عصر مبارك، تبني شبكات ميليشيا سرية كانت وراء عمليات تخريب مثل الجزء الاخير من احداث السفارة الاسرائيلية؟ لماذا عاد اصحاب الاصوات الوقحة للظهور في قنوات التلفزيون وفي اجتماعات مع الحكومة يتبجحون على الثوار والثورة... ويحاصرونهم بالتهم وتشويه السمعة؟ انهم عادوا بعد الاطمئنان الى مزاج السلطة الانتقالية، تعاملوا معها على انها امتداد لمبارك، وانهم سلاح يمكن استخدامه، سلاح تشويه السمعة، وعنوان للبلطجة تتجمع حوله ميليشيات الفلول؟ لماذا تعلق السلطة التحقيق في ملفات مهمة، وتؤجل كل المحاكمات الا في مواجهة من يعترض على ادارتها للمرحلة الانتقالية؟
كل هذه الاسئلة تتكشف امامها محاولات زرع جمهورية الخوف من جديد، وهي محاولات، رغم جبروتها، لن تنفع بهذه السهولة في ارض تغيرت طبيعتها بالثورة. من زاويتها الاكثر رقة ظهر، احمد شفيق، آخر رئيس حكومة عيّنه مبارك، وكان من شلته المقربة، وأخيراً اعلن رسمياً ترشيح نفسه للرئاسة.. رغم انه شخص غير مهم خارج السلطة. لا وجود له الا بالقرب ممّن يركب السلطة أو في يده. اعلان ترشح شفيق غالباً استعراض لقوى تريد الاشارة الى انها موجودة ولها رجالها. هذه القوى تعتمد على جمهور رأى في شفيق نموذجاً طيباً لرجال الدولة، يتكلم بهدوء، ويرتدي ملابس غير معتادة. لا يعرف شفيق في السياسة بالضبط مثل مبارك، يعرف في الحكم، وهذا ما يجعله يداعب عواطف الشعب متحدثاً عن إعادة هيبة الشرطة. لم يفكر احمد شفيق الا من زاوية ضيّقة، في اعادة انتاج نظام مبارك، لم يعرف ان المطلوب هيبة القانون لا هيبة الشرطة. احترام الشرطة لن يتحقق الا باحترامها اولاً للقانون، وليس بفرض هيبتها. احمد شفيق لا يفهم غير لغة سمعها في اروقة الحكم، لغة استعلاء وأبوية وتسلط. التسلط يمكن ان يكون لطيفاً او أنيقاً، لكنه تسلط يغلف غالباً بقيم نبيلة مثل مصلحة الشعب وهو يضرب الشعب ويتركه مقهوراً من ادواته الامنية. العقل التسلطي يبرر كل خطاياه بحجة واحدة: «علشان البلد ماتوقعش». وهو مفهوم مغلوط لأن البلد كله توقف ١٨ يوماً ولم يقع. احمد شفيق ربما يكون مهذباً كما يراه حزب الكنبة، وهناك حكايات عن جبروته عندما كان الوزير المسؤول عن مصر للطيران، لكنه مثل عمرو موسى «ميني ديكتاتور» تربى في احضان الاستبداد، حينما كان منصبه منحة من الرئيس وليس استحقاقا كما هي عادة تولي المناصب في الدول الاستبدادية، وحينما كانت كل الصراعات السياسية تدور حول من يستطيع الاقتراب من أذن الرئيس. شفيق من سلالة مبارك... سلالة تتحكم في المرحلة الانتقالية من خلال المجلس العسكري. هؤاء عالمهم ضيق بينما العالم اتسع في مصر بالثورة. لا يرون أنها كانت جمهورية استبدادية، مرفوضة، يرونها مجرد فساد عائلة، او حاشية وهذه هي الخدعة. هم يرون التغيير في الاشخاص. والثورة طلبت جمهورية جديدة. اللغة مختلفة، والخيال مختلف، والعقلية لم تتغير منذ ٦٠ سنة او اكثر.
العقلية تبحث عن القبضة الحديدية والهيبة قبل اي شيء. الفريق شفيق ليس غريباً عن السلالة التي يتصور اصحابها ان لهم شعبية، وهم بالفعل لهم جمهور واسع، كما كان لمبارك جمهور واسع، هذا الجمهور مسلوب الارادة يعيش خائفاً من السلطة، وطالباً حمايتها من اشباح تتربى في حظيرتها. لهذه السلالة شعبية وعيها غائب، واقعة تحت تاثير الرعب، و تقهر نفسها وخيالها بأيديها، بالضبط كما نعيش تحت وطأة خرافات عن العفاريت والجنيات وغيرها من كائنات خرافية تجعل الرعب مقيماً دائماً، يمنعك من الاقتراب او الجرأة على الحياة، وتبحث عن سند وحام. احمد شفيق ابن سلالة هذه الخرافات.

علاء عبد الفتّاح والتمرّد على الوصاية




تحوّل علاء عبد الفتاح إلى أيقونة من أيقونات الثورة المصرية. هو ناشط منذ ما قبل يومها الأول، لكن المجلس العسكري يريد اليوم استخدامه للتغطية على الثورة المستجدة ضدّه

عاد علاء عبد الفتاح من السفر. وذهب الى «س 28»، التي اصبحت شهيرة بعدما قرر الجلس العسكري ان تكون المحاكم العسكرية اداته للسيطرة. علاء عبد الفتاح من سلالة جديدة، وقديمة في نفس الوقت، عائلته يسارية وهو سار باليسار الى آخر مطافه. لم يتحزب على حد ما هو معروف، وعندما اعتقل اول مرة في 2005 كان علامة جيل غاضب جديد على مبارك.
علاء هو صاحب اشهر مدونة مصرية، اسمها «منال وعلاء». منال زوجته ومن عمره. بينهما قصة حب تتحدث عنها صورة لهما معاً نشرت على مواقع الكترونية وتحتها شعار: «اعيدوا علاء الى منال». وكأن قصة الحب جزء من قصة علاء السياسية... قصة باقي المدونين... اهم ظواهر جيل دخل السياسة بداية من 25 أيار 2005.
علاء في ذلك اليوم اضطر الى حماية امه (الدكتورة ليلى سويف الاستاذة بكلية العلوم) من هجوم عساكر الامن المركزي. يومها، وأمام ضريح سعد زغلول، حدثت فضيحة انتهاك عرض المتظاهرات، تلك الفضيحة الشهيرة التي دفعت بجيل كامل للنزول الى الشارع.
هنا تحوّل عشاق التدوين السري الى الظهور العلني... وصناعة الحدث... علاء لم يحب السياسة على طريقة والده احمد سيف الاسلام، المحامي المعروف في اوساط حقوق الانسان الآن والمنتمي الى تنظيمات اليسار. لكنه «موديل» قديم في السياسة بالنسبة إلى ابنه الذي عرف الكمبيوتر وعمره 12 سنة.
لم يكن جهاز الكمبيوتر عادياً في البيوت المصرية. لكن قرار ليلى سويف واحمد سيف هو الانحياز لطريقة في التربية تبدو متطرفة بالنسبة إلى اليساريين: لا تلفزيون حتى يتعلم كل الاولاد القراءة والكتابة. هكذا كان الكمبيوتر وعالمه الجديد والمدهش هو بديل التلفزيون بثقافته العمومية والسطحية.من هنا بدأت اللغة الجديدة تماما على الرفض السياسي... لغة تسخر اولاً من الموديل القديم في السياسة... لم يعد مهماً أن يخرج الناس في تظاهرة ويتكلموا الكلام نفسه ويتجمعوا حول الوجوه ذاتها. دائرة
مملة، مغلقة، طريقها مسدود... وأملها فى التغيير يساوي صفراً.
من هنا كان هناك كلام جديد تماما عن الحق في الحصول على برامج حرة تتيح للفرد العادي ان يفجر طاقاته في التعبير بلا حدود ولا رقابة. هكذا شغل علاء بمعركة تحرير البرامج من سطوة الشركات الكبرى، بإيمان ان «البرامج كالماء والهواء» من حق كل الناس. وفي اليوم الذي دعا فيه الشباب على الانترنت ليحصلوا على دروس لتعلم استخدام نظام اللينوكس Linux، وهو نظام مجاني، حضر اكثر من 5000 شاب، بينما في اليوم نفسه لم يحضر مؤتمر عن حقوق العمال اكثر من 500 شخص.
علاء محترف في النظام الذي يكسر احتكار الانظمة الكبيرة في عالم الانترنت. وهو من الدعاة والمبشرين بمجتمعات حرة في الكمبيوتر. مجتمعات لا تتحكم فيها البرامج والانظمة المشفرة، ويكون فيها، كما يقول بنفسه في احدى مدوناته: «التركيز على البشر مش المعلومات، الناس العادية مش الخبراء، المستخدم مش المبرمج ولا البرنامج ولا الشركة».
انها ثورة من اجل نشر ثقافة الحرية الى اقصى حد، وخروج الكمبيوتر من كهنوت الخبراء والمتخصصين الى الشارع. وهذا سر من اسرار ثورة 25 يناير. علاء ينتظر ابنه من زوجته منال، التي لا يخفي حبه لها، على عكس الرجال المصريين الذين يرون الحب ضعفاً. الحب قوة، والسياسة قوة، في مواجهة سلطة تلغي هذه اللمحات المحببة، وتتعامل مع الانسان على انه رقم في قطيع، وتستسهل الاعتداء عليه وعلى حريته، تحبسه وتهين جسده، تنتهك حقوقه وتلغي المسافة التي يخرج بها عن طاعته.
علاء ذهب الى «س 28» ورفض الاجابة عن اسئلة المحقق لأن التحقيق مع مدني امام المحاكم العسكرية خطيئة سياسية وقانونية يصر المجلس العسكري على ارتكابها بجرأة تذكرنا بتراث طويل من حكام تصوروا انهم فوق القانون. المجلس العسكري يتذكر القانون حينما يتعلق الامر بتغيير النظام، ومحاكمة رموزه الفاسده، وينساه تماماً حين يطالب المجتمع بحقه في الحرية.
لكن مصر تغيرت فعلاً. من قال انها لم تتغير؟ لم يكن من الممكن الا الدفاع في مواجهة سلطة قبضتها غاشمة وغشيمة، ترتدي مسوح الأب الوصي. الثورة علمت الشعب الخروج من حضانة السلطة، والتمرد على اشكال الوصاية الفارغة، وهذا بالضبط ما فعله علاء عبد الفتاح. علاء قرر الهجوم ورفض الامتثال لمحاكمات ليست قانونية، رغم ان التحقيق كان غالباً سيؤدي الى لا شيء.
الرسالة قوية وكاشفة، وعطلت خطة اكبر في التغطية على مذبحة ماسبيرو وجناتها الحقيقيين، باتهام الثوار والنشطاء، وتحويلهم من مدافعين عن التغيير الى متهمين بإثارة الفتن والتحريض على العنف.
ليس صدفة اتهام علاء عبد الفتاح وغيره من ثوار باتهامات متهالكة، في وقت لا يلتفت فيه الى عشرات من الأدلة الموثقة بالصوت والصورة والشهادات المباشرة وتدين جهات وشخصيات بعينها. وليس صدفة هنا وضع اسم مينا دانيال على قائمة المتهمين بعدما اصبح عنواناً من عناوين المذبحة وادانتها، وجسراً بين الثوار والنشطاء وبين قطاعات من المجتمع بعيدة عن السياسة. هذه الرغبة في تكسير او تحطيم او تشويه كل القيم التي تصنع في الشارع وعبر قوى جديدة في المجتمع، هي اداة من ادوات التسلط التي تريد سحب ثقة المجتمع بنفسه، ليظل اسير تصوراتها وصكوكها الوطنية.
المجلس يريد عودة السياسة الى مشاوير بين السجن والمشرحة، وهذه تعلمها من مبارك الذي انهك معارضيه بين التحقيقات وسيارات الاسعاف. يتصور المجلس ان القوى الشابة للثورة ستستهلك في المطالبة بالافراج عن علاء، بينما تنسى المطالبات بنهاية حكم العسكر، اداة اخرى تعلموها من مبارك وسلالته من الطغاة المغرمين بالبيروقراطية. تحويل الحرية الى مطلب بعد الثورة عبث، لأن الارض المحررة لن تحتل مرة اخرى، الا في اوهام السلطة. الثورة حررت المجال السياسي وانتهى الامر، ورغم الاصرار على اعادة انتاج جمهورية التسلط من خلال التحكم في سير العملية السياسية بنفس آليات مبارك، الا ان المجال السياسي اصبح ارحب واوسع، والحلم بمصر جديدة لا يزال يتجول في الشوارع، رغم المجلس وبقايا النظام وعشاق المتطوعين بتقديم خدمات لأي مستبد.
لا تزال هناك مجموعات تسهر الليل لكي لا يكون السجين وحيدا... هتف الثوار تحت زنزانة علاء... وصفق السجناء... وهذه لقطات لا تمر بخيال السلطة. لكن هذا النوع من الخيال اسقط مبارك وسيسقط اصناماً كثيرة في الطريق الى مصر جديدة.