رام الله | يترقّب الفلسطينيون اجتماعات مجلس الأمن لحسم مسألة الدولة سلباً أو إيجاباً، واختبار ما قد يكون عليه رد فعل السلطة إذا صحّت التوقعات التي تقول بأن التصويت ذاهب باتجاه الإخفاق. اختبار يأتي متزامناً مع الذكرى السابعة لرحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. ذكرى يعمد الكثير من الفلسطينيين إلى إحيائها بتخيّل أبو عمار موجوداً في ظل مثل هذا المسار السياسي التي تدخله القضية الفلسطينية، سواء في الانقسام الذي لم ينته، أو بالحائط المسدود الذي تواجهه عملية التسوية، وبينهما حراك الربيع العربي. كيف سيكون ردّ فعل أبو عمار تجاه هذه الملفات، وأي قرارات كان سيأخذ لو كان موجوداً، وهل سيجعل الفلسطينيين مجرّد متفرجين على حراك الربيع العربي، وهم الأولى بمثل هذا الحراك في ظل عيشهم لعقود في ظل استبداد إسرائيلي؟

أسئلة كثيرة يجيب عنها بعض الفلسطينيين كل على طريقته، منهم مع توقّع قرارات حاسمة من الزعيم الفلسطيني، وبعضهم رأى أنه قد يقوم بما يفعله محمود عباس اليوم لكن بأسلوب مغاير، غير أن الكل يجمع على أن الوضع لن يكون نفسه.
عودة ناصر، من بيت لحم، يرى أبو عمار من النوع المحنك دبلوماسياً، ويعتقد بأنه لو كان موجوداً لكان الوضع من الناحية السياسية أفضل لجميع الاطراف الفلسطينية، أما من ناحية إسرائيل فهي تعلم بأن أبو عمار كان قائداً ذا كاريزما معروفة، كلمته مسموعة من الجميع، وتأثيره قوي على اسرائيل. «يعني لما كان بحكي انتفضوا، كنا نلاقي انتفاضة»، يقول عودة بالعامية. ويضيف «إسرائيل هي أكبر الرابحين من قضية موته، ثم من الناحية الداخلية لو كان حياً، لما كانت هناك حالة انفصال بين حماس وفتح».
أما الصحافي الفلسطيني محمد هواش من رام الله، فيصف عرفات بأنه كان صانعاً لمسرح سياسي، وكان يستطيع أن يعمل «من الحبة قبة»، لكن ظروف القضية الفلسطينية اليوم أكثر تعقيداً من الظروف التي غاب فيها الراحل قسرا بالإقصاء السياسي. «عرفات لو كان موجوداً» يقول هواش، «لكان فعل ما يفعله اليوم الرئيس محمود عباس ولكن مع حركة أوسع ومهرجانات وفولكلور محلي وعربي ودولي، ولحول قضية التوجه الى الامم المتحدة باعتبارها قضية سياسية ووطنية الى مهرجان دائم متنقل، وفي هذا السياق يمكن تذكر كيف نقل اجتماع الجمعية العمومية في عام 1988 من نيويورك إلى جنيف وتحمل تكاليف سفر عدد كبير من وزراء خارجية الدول الفقيرة في أفريقيا وآسيا».
هيثم يخلف، مواطن من رام الله، لم يستطع وصف أبو عمار إلا من خلال كلمة لوليام نصار في الفيلم الوثائقي «العاصفة مرت من هنا»، قال فيها «اللي ما قبلوا ياسر عرفات مستحيل أي قائد فلسطيني يرضى فيه». لكن يخلف استطرد بالقول «أكيد رح يكون مع الذهاب للأمم المتحدة، وما كان أصلاً صار في انقسام». وختم بالقول «ياسر عرفات رجل الثوابت».
المحلل السياسي رمزي خوري، رأى أن قرار القيادة الفلسطينية بعدم الدخول في مفاوضات مع إسرائيل رغم الضغوط الدولية التي وصلت إلى التهديد، هو أسلوب «عرفات» للعمل. أثبت عرفات، يقول خوري، «أنه في حين أن الفلسطينيين لا يملكون القدرة العسكرية في نضالهم، فلديهم سلاح أقوى بكثير وهو شرعية معترف بها من قبل غالبية الدول».
نهاد أبو غوش، مدير مركز مسار للدراسات، يستذكر أن أبرز صفات الرئيس الراحل ياسر عرفات تتمثل في «إخلاصه للثوابت التي كان يؤمن بها، إلى جانب البراغماتية الفائقة التي وظفها لمصلحة تلك الثوابت». ويضيف «كان قادراً على جمع المتناقضات التي يبدو جمعها مستحيلاً، وتوظيفها لمصلحته». ويتابع «كان يتابع المفاوضات الرسمية، ومسارات متعددة لمفاوضات غير رسمية، في الوقت الذي يدير فيه العمل المسلح من تحت الطاولة».
أبو غوش يرى بأن القضية الفلسطينية تشتعل الآن على عدة جبهات ميدانية وسياسية ودبلوماسية، لكن الحلقة المركزية المفقودة التي تعيق تحقيق إنجازات هي غياب الوحدة الوطنية، ويعتقد أن شخصية كعرفات «ما كان لها ان تدخل غمار معارك كبرى دون أن ترتب بيتها الداخلي وتفعل المستحيل لإنجاز الوحدة الوطنية، حتى لو كان ذلك مقابل تنازلات جوهرية».
«ياسر عرفات لا يزال حياً»، يقول كمال خليل، رئيس المجلس الفلسطيني الأميركي، لكن واقعه الذي واجهه منفرداً كان أكبر مما يحتمل. ويضيف «بدخول عرفات إلى فلسطين عبر اتفاق أوسلو، غير منهج عرفات في الأغوار وفي جنوب لبنان»، ولو كان بيننا لخط لنفسه نهج ثالوث «المقاومة - الشعب - السلطة» إلى حد كبير كمنهج حزب الله في لبنان، مع الفوارق المعروفة من حيث النوعية والعقيدة.
الناشط الشعبي، جورج رشماوي، عبّر عن اعتقاده بأنه وفي ظل المعطيات الموجودة «لن يستطيع اي قائد فعل شيء جوهري حتى لو كان عرفات»، لأن الأمور وصلت مرحلة اللاعودة «إلا باستقالة السلطة وحلّها»، لأن ذلك هو الامر الوحيد الذي سيعيد المنطقة الى المربع الأول وليس هناك ما نخسره.
ماذا عن الربيع العربي والثورات المتنقلة من بلد إلى آخر؟ يرى سليمان أبو عودة، من رام الله، أن عرفات ما كان لينتظر وصول القضية إلى مثل هذا المأزق «كان استقرأ الأحداث وحسابات القوى وأدرك مسبقاً ما ستؤول إليه الأمور، ولجأ إلى الشارع مباشرة، كما فعل في العام 2000 مع اندلاع الانتفاضة الثانية». ويختم بالقول «لو كان أبو عمار بيننا لكان الوضع مختلفاً ميدانياً وسياسيّاً».




زهوة و«وصيّة والدها»

تتذكر زهوة عرفات، ابنة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات والدها، الذي توفي وهي في التاسعة من عمرها وأوصاها «بعدم التفريط بوطنها فلسطين» والحفاظ على الحقوق الفلسطينية. وقالت زهوة (16 عاماً)، في اول مقابلة لها عبر الهاتف من مالطا حيث تقيم مع والدتها سهى، «أفتقد والدي الذي لم اعرفه كثيرا وحرمني الاحتلال الاسرائيلي من رؤيته بعد قصف منزلنا في غزة حيث طلب من والدتي أن نغادر فلسطين حتى لا يضغط عليه الاحتلال بابنته وزوجته». وتتابع «غرفتي مليئة بصوره، فأنا اعرف ان والدي هو رمز للشعب الفلسطيني وقضيته، وأعرف ان كل فلسطيني يحبه ويعرف انه قدم حياته من اجل فلسطين وحرية شعبها». وتضيف «ارى أني اشبه والدي كثيراً، وأتمنى لو انه لم يستشهد وكان معي الآن». وتشير زهوة الى انها تشاهد «اجزاء من خطاباته والافلام التي تتحدث عن حياته علها تعوضني عن جزء من فراقه».
(أ ف ب)