يبدو أن الشراكة المغربية الخليجية بدأت تشق طريقها نحو التفعيل بعد مرور أشهر على الدعوة الخليجية الشهيرة للمغرب والأردن للانضمام إلى دول مجلس التعاون الخليجي؛ فقد بدأت الاستثمارات الخليجية في التقاطر على المملكة، وآخر الغيث سلسلة الاتفاقات التي وُقِّعَت على هامش الزيارة الرسمية لأمير دولة قطر للمغرب الخميس الماضي ولقائه العاهل المغربي محمد السادس العائد من فترة نقاهة في فرنسا.

زيارة أمير قطر الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني جاءت في ظرف خاص تميز بالتقارب بين البلدين بعد غضب مغربي سابق من تغطية قناة «الجزيرة» لقضية الصحراء. وبعد محادثات ثنائية، وقّع الطرفان أربع اتفاقيات لتعزيز التعاون المشترك بين البلدين، اللذين تفصل بينهما آلاف الأميال، تهم الميدان الاقتصادي بالأساس. وتنص الاتفاقية الأولى على عقد شراكة تؤسَّس بموجبها هيئة مغربية ـــــ قطرية مشتركة للاستثمار بمشاركة شركة قطر القابضة، فيما قضت الاتفاقية الثانية على مذكرة للتفاهم في المجال السياحي، ووُقِّعَت مذكرة تفاهم ثالثة في مجال المعادن بين المكتب المغربي للهيدروكربورات والمعادن وشركة قطر للتعدين، فيما نصت الاتفاقية الرابعة على توقيع برتوكول إضافي مكمل لاتفاقية تنظيم استقدام العمالة المغربية إلى قطر الموقعة سنة 1987.
لم يكن أمير قطر وحده من حط الرحال بالمغرب؛ فقد كان للملك محمد السادس لقاء بوليّ عهد أبو ظبي، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ووزير المال في الكويت، مصطفى جاسم، وأشرفوا جميعاً على مراسم توقيع عقد شراكة لإنشاء الهيئة المغربية للاستثمار السياحي التي تشارك شركة قطر القابضة وشركة آبار أبو ظبي وصندوق الأجيال الكويتي، وهو استثمار يقدر بـ 20 مليار درهم (2 مليار يورو)، ومشاريع سياحية أخرى تعهد رأس المال الخليجي دعمها من قبيل مشروعين سياحيين.
وكان المجلس الوزاري الخليجي قد رفع توصية لهيئاته التنفيذية تقضي بإقرار برنامج تنمية اقتصادية شامل على امتداد خمس سنوات يستفيد منها المغرب إلى جانب الأردن. بات للمغرب من يعوله الآن، فقد وجد الدولار طريقاً إلى خزائن المملكة علّه يخرج المغرب من نفق أزمة تلوح في الأفق. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح في المغرب هو: ماذا سيكون المقابل؟ ما هي الكلفة التي على المغرب دفعها سياسياً في مقابل ضخ هذا الكم الهائل من المال؟ فالتقرب الخليجي من المغرب، وفي هذا الظرف تحديداً يطرح كمّاً من الأسئلة المؤرقة، فيما لا يغيب سؤال آخر عن الخاطر المغربي: من المستفيد من المال الخليجي الشعب، أم النظام؟
انقسام وجهات النظر وتباينها في الشارع المغربي بشأن الشراكة. الشارع منقسم حيال الأمر، بين قسم ينظر بتفاؤل إلى هذه الشراكة ويرى فيها صفقة مربحة للمغرب على المستوى الاقتصادي، فيما يرى قسم ثان أن التحالف مع دول الخليج سيجعل المغرب في نادي دول ليست مستعدة بعد للديموقراطية، وهمّها الوحيد كيفية الإفلات من مقصلة الربيع العربي وتجنيب بلدانها إياه. وإن كان السياسيون المغاربة قد تحاشوا الخوض في نقاش عميق بالموضوع، فإن الحركات والهيئات المعارضة في المغرب رأت أن «نهضة المغرب» لن تتحقق من خلال التحالف، مع ما سمتها «الأنظمة التقليدية والماضوية التي تجاوزها العصر»، بل من خلال التعاون الطبيعي في منطقة المغرب العربي والاتحاد المتوسطي. هو اختلاف إذاً بين صف البراغماتيين الذين يرون الالتحاق، وإن كان غير مباشر، «ضربة معلم»، وصف المثاليين الذين يعتقدون أن المغرب سيخسر أكثر مما يربح، ويبقى التوجس والتشكيك في نيات دول مجلس التعاون الخليجي.
إلى جانب ذلك، فالصورة التي يحتفظ بها المواطن المغربي عن الخليج في وعيه العام، صورة تظل دائماً ملتبسة رغم كل محاولات التلميع، العلاقة لم تكن قطّ على ما يرام ولم تخل من نظرة نمطية جامدة متبادلة. فالخليجي في فكر المغاربة نموذج للإنسان المكبوت في وطنه والقادم إلى المغرب بحثاً عن الجنس واللذة، بينما ينظر الخليجي إلى المغرب على أنه مجتمع متفسخ تفعل فيه النساء ما يشتهين.
فضلاً عن كل ما تقدم، تطرح تساؤلات عديدة عن مدى التعاون العسكري الممكن، وأي مساهمة قد تكون للمغرب في قوات درع الجزيرة المشتركة، أو أي اتفاقيات أمنية أو عسكرية يمكن أن تكون مجالاً للتعاون، حيث لا يخفي البعض تخوفه من أن يكون تفعيل الشراكة في الميدان العسكري إشارة إلى مشاركة تعزيزات عسكرية مغربية في قمع أي انتفاضات محتملة في هذه البلدان.