«أنا راهبة. مستقلّة. ولا أخضع لأحد»، بهذه الكلمات تجيب الأم أنياس مريم الصليب عن سؤال «الأخبار»: «ما ردّك على الاتهامات التي تقول إنك متعاونة مع الاستخبارات السورية؟». الأم التي ترأس دير «مار يعقوب المقطّع» في بلدة قارة الواقعة في ريف دمشق، رافقت مجموعة من الصحافيين الأجانب في جولة على بعض المناطق السورية الحساسة من 12 إلى 17 تشرين الثاني الماضي.


ونتيجة لهذه الزيارة أطلّت الأم أنياس، في مؤتمر صحافي من بيروت الأسبوع الماضي يرافقها الوفد الصحافي الأجنبي، لتروي جزءاً ممّا شاهدته في المناطق الساخنة، ولتطلق صرخة إنسانية عاجلة بشأن الوضع المأساوي في تلك البلدات. وبعيد المؤتمر، علت بعض الأصوات «الإلكترونية» المعارضة في سوريا لتتهم الأم بتعاملها مع نظام بشار الأسد وإسهامها في إشعال الفتنة الطائفية في البلد.
ماذا شاهدت الأم أنياس في حمص وقارة والقصير وحماة وبانياس؟ ما الذي سمعته من الأهالي المفجوعين والخائفين؟ لماذا قامت هي بتلك الجولة الإعلامية؟ ماذا تقول للنظام السوري والمعارضة؟ وكيف تردّ على الاتهامات ضدها؟ الأسئلة كثيرة، والأم «لا تريد أن تلزم الصمت بعد كل ما رأته».
بدأت القصة عندما طلبت المؤسسة الإنسانية التي تعنى بشؤون المسيحيين في الشرق L›Oeuvre d›Orient (ومركزها باريس) من الأم أن تقدم دراسة عن وضع المسيحيين في الشرق وفي سوريا. بعدها، اهتم الاتحاد العالمي للصحافة الكاثوليكية بالموضوع، وقرر إرسال وفد صحافي إلى سوريا للاطلاع على مجريات الأحداث هناك، وخصوصاً على أوضاع المسيحيين. وهكذا كان، فانتدبت بعض وسائل الإعلام الكاثوليكية الفرنسية والبلجيكية والإيطالية مراسلين لها، إضافة إلى صحافيين مستقلين ممن أرادوا المشاركة في الجولة، ومن بينهم إحدى أبرز الشبكات الإعلامية البلجيكية «راديو وتلفزيون بلجيكا الفرانكوفوني» RTBF. الأم التي كان دورها تنسيقياً فقط في البداية، تقول إنها «اضطرت في ما بعد إلى أداء دور المترجم المرافق للوفد الصحافي الأجنبي بعدما واجه صعوبة كبيرة في إيجاد مترجم وسائق». وهي تقرّّ بأنها «لم تزر كل المناطق السورية، ومدّة الجولة كانت محدودة بخمسة أيام فقط، لذلك هي لا تريد أن تعمّم استنتاجاتها على سوريا بأكملها». «الدولة السورية تدرك أن هناك حاجة إلى أن يدخل إليها أحد ويشاهد ما يجري على أراضيها، ووثق المسؤولون بوفد كاثوليكي منظّم، فوافقوا على دخوله الأراضي السورية». وهل وفّروا لكم الحماية والمواكبة؟ نسأل، «لم يؤمّن أحد حمايتنا ولم نحظ بأي مواكبة»، تؤكد الأم أنياس، وتضيف «كل صحافي وقّع على وثيقة يتحمّل فيها المسؤولية عن نفسه وأمنه الشخصي داخل الحدود السورية»، وموكبنا كان مؤلفاً من باص صغير يضمّ الصحافيين الأجانب والسائق فقط. لكن الأم تذكر أنه عندما تعرّضوا لإطلاق رصاص مباشر في القصير، أمّنت قوات الجيش السوري حمايتهم حتى خرجوا من منطقة إطلاق النار سالمين. وفي القصير، زار الوفد عائلة مسيحية وأخرى من الطائفة السنّية للاطلاع على أحوالهما. في المنزل المسيحي، تروي العائلة مأساتها بعد أن قتل ابنها الشاب وهو عائد من ورشة عمله. «تصدّى له مسلحون مجهولون وطخّوه 40 طلقة، ثم سحبوا جثته وقطّعوها، ثم أحرقوا منزل ابن عمّه في اليوم التالي»، تنقل الأم أنياس ما رواه أهل الفقيد.
أما ربّ العائلة السنيّة فهو يملك «سوبر ماركت» ويقول إن «المسلحين يمنعونه من التعامل مع أي جندي أو عنصر من قوى الأمن الموجودة»، ويضيف «وفي يوم بعت أحد عناصر الأمن الذي كان يرتدي ثياباً مدنية، فوضعوا لي عبوة على باب المحل». «الخوف هو المسيطر على نفوس أهل المنطقة، وهم يطالبون الجيش بحمايتهم لأنهم يثقون به»، تقول الأم أنياس. وعن المظاهر الأمنية، تشير الأم إلى أنها «شاهدت عدداً من قوات الأمن قابعين وراء المتاريس في أماكن محددة، واللافت أن أكياس الرمل «مفجّمة»، وكأنها تلقّت ضربات كثيرة بسلاح ثقيل». وفي حمص، زار الوفد الصحافي المشفى الأهلي حيث «يصل جرحى كل 15 دقيقة تقريباً»، تلاحظ الأم التي سألت عن موقع سقوط هؤلاء الجرحى فأجابوها «في باب عمرو وباب السباع». الأم تصف كيف تجمّع الناس حول الوفد الصحافي عند وصولهم إلى المشفى، وكيف بدأوا يتحدثون لهم عن مخاوفهم واستيائهم ممّا آلت إليه الأمور في مناطقهم، «هم تكلّموا عن أذية بالغة يتعرضون لها يومياً من قبل مسلحين مجهولين، وعن سقوط ضحايا من كل الطوائف»، تنقل الأم أنياس، وتضيف «البعض تحدّث أيضاً عن سحل جثث عارية في الشوارع وترك أخرى مقطّعة على الأرض».
مشاهد الجثث المشوّهة والمقطّعة عادت وظهرت أمام أنظار الوفد في مشرحة المستشفى العسكري. «جنود فتحت رؤوسهم وانتزعت أدمغتهم منها ثم وضعت في كيس ورميت إلى جانب الجثث»، تصف الأم أنياس ما رأته وما «لن يمحى من ذاكرتها بعد الآن». موثّق الجثث في المشرحة يشرح للوفد أن «أجسام الضحايا كانت تأتي في بداية الأمر مصابة بطلقات نارية، ثم باتت تصل مقطّعة، وأخيراً باتت تصل وعليها آثار تعذيب قبل القتل أو مقتلعة العينين».
«إجرام وترويع بحق المدنيين والجيش، أضف إلى ذلك مأساة إنسانية بدأت تظهر بوادرها من خلال حرمان المواطنين في بعض المناطق من المازوت بسبب الحصار المفروض»، تردف الأم أنياس.
أما في قارة، فتقول الأم إنهم صادفوا تظاهرة معارضة للنظام حيث قام الوفد بمقابلة المتظاهرين والاطلاع منهم على مطالبهم. وهنا تشير الأم أنياس مبتسمة «تعرض مواقع المعارضة الإلكترونية صورة لي وأنا في صفوف المحتجين، وتقول إنني كنت أتظاهر معهم ثم تراجعت. لكن الحقيقة هي أني كنت أرافق الإعلاميين في تجوالهم بين المعتصمين كي أترجم لهم». ما كانت نتائج الجولة إذاً وما هي الخطوات التالية؟
«ما رأيناه مروّع ومخيف. هو وضع غير سليم ومتردّ إنسانياً. هناك مجرمون متنقلون يزرعون الفتنة الطائفية وينشرون القتل أينما حلّوا، من هم هؤلاء؟ لا نعرف لغاية الآن، لذا لا يسعني وصفهم سوى بالمسلحين المجهولين»، تشير الأم التي تعبّر عن «خوف من تحويل سوريا إلى عراق ثان أو إلى ساحة حرب أهلية شبيهة بحرب لبنان الطائفية». «لكني أعوّل على حكمة الشعب السوري وغياب الكراهية بين مختلف بيئاته»، تقول الأم. ما الحلّ؟ تجيب الأم أنياس: «يجب أن يكون التحرّك على كافة المستويات: أولاً على المستوى الرسمي، حيث أدعو الرئيس بشار الأسد إلى فعل كل ما باستطاعته ليحمي المدنيين من سلاح المجهولين، وأن يقوم بالإصلاحات اللازمة على مستوى البلد، فيشعر المواطنون بأنه أب لهم، وليترك الشعب يقرر، والشعب سيؤيّده».
ثانياً، للمعارضة تقول الأم: «يجب أن يتنبّهوا إلى أنهم باتوا مخترقين من جهات مسلحة، ويجب أن يدركوا أنهم باتوا يستخدمون كغطاء لمتآمرين أكبر منهم. وأنا أجدّد الدعوة إلى أقطاب المعارضة غير المسلحة ليزوروا المناطق الساخنة ويتحدثوا مع الناس ويشهدوا على الوقائع بأنفسهم».
ثالثاً إلى الإعلام، توجّه الأم أنياس «دعوة إلى الإعلاميين المحايدين والمهنيين للتوجه إلى البلدات السورية ونقل الحقائق من هناك، بدل صبّ الزيت على النار، كما يفعل «المرصد السوري لحقوق الإنسان» مثلاً، الذي يقدم من بريطانيا لوائح يومية بأعداد قتلى لا اسم لهم ولا هوية». وعلى الصعيد الشخصي، تقول الأم أنياس إنها بعد جولتها هذه بات لديها «واجب أخلاقي تجاه كل من التقتهم وشعرت بمآسيهم». «سأمدّ يدي للجميع، لمعارضة الداخل ضد المعارضة المسلحة، وللهيئات الإنسانية المحايدة، كي يرفعوا الصوت لوقف الفظائع التي ترتكب بحق الشعب السوري، ولكي نقول كفى لمرتكبي الجرائم كائناً من كانوا». ورداً على اتهامها بتأجيج النعرات الطائفية وبتبعيّتها للنظام، تذكّر الأم بالرسالة التي توجّهت بها إلى الرئيس السوري منذ أسابيع (والتي نشرت في جريدة «النهار» اللبنانية) وتقول «ضميري مرتاح، والخوف لن يكبّلني. زرت عائلات من كل الطوائف، ونقلت مأساتهم. أنا مجرد شاهد للحقيقة». وتضيف «عجبي من معارضة تبشّر بالديموقراطية وتمنعني من الإدلاء بشهادتي وتكذّبني، فيما هي لا تريد أن ترى ماذا يجري على أرض الواقع». هل ستتجرّأين على العودة إلى قارة والقيام بزيارات ميدانية أخرى إذاً؟ تجيب الأم «لستُ أفضل من الناس الذين يقتلون في سوريا. لست خائفة وسأعود، لأني لن أترك أمهات المخطوفين الذين عهدوا إلي بقضيتهم، ولأني ضد المؤامرة، ولأن السكوت عن الجريمة هو مشاركة فيها».




حملة تكفير وتخوين


بعيد مؤتمرها الصحافي، تعرضت الأم أنياس مريم الصليب لحملة إلكترونية شرسة وُصفت فيها بـ«الكافرة» أحياناً وبـ«الساعية إلى تأجيج النعرات الطائفية» أحياناً أخرى، إضافة إلى كمية من السباب وجّهتها إليها مجموعات معارضة سورية على «فايسبوك».
أما موقع All4syria فقد أشار إلى أن الأم وقعت ضحية استغلال الاستخبارات السورية لها، الذين زوّدوها معلومات كاذبة عملت على نقلها. كذلك اتهم الموقع الأم بأنها «بكلامها ومظهرها، تشرّع لكل المتطرفين دينياً أن يقتلوا المسيحيين في سوريا على الهوية، لأنها جعلتهم جميعاً يبدون كأنهم يقفون طرفاً مع النظام القاتل ضد شعبه، علماً بأننا كنا سنصدّقك أكثر لو لم يُفتضح أمر الذي أرسل هذا الوفد، وهو رجل دين ماروني تابع لميشال عون».