غادر آخر الجنود الأميركيين العراق صباح أمس، بعد حوالى تسع سنوات من بداية حرب مثيرة للجدل بأسبابها وفصولها، تاركين خلفهم بلاداً تعيش على وقع أزمات سياسية مغلّفة بتحديات أمنية كبيرة. وكان جنود اللواء الثالث من فرقة سلاح الفرسان الأولى آخر من اجتاز الحدود العراقية الكويتية، بعد نحو ثماني سنوات وتسعة أشهر من عبور القوات الأميركية للحدود ذاتها في الاتجاه المعاكس، في بداية «عملية تحرير العراق». وغادر الموكب الأخير، الذي ضم 110 آليات تحمل على متنها 500 جندي، معسكراً يبعد حوالى 350 كلم عن المعبر الحدودي العراقي الكويتي الذي لفّته الأسلاك الشائكة، فجر أمس، عبر طريق خالية من أي حركة أخرى.

وبدأت آخر الآليات الأميركية باجتياز المعبر الحدودي عند الساعة 07,30 صباحاً، وسط تصفيق الجنود وصيحاتهم، قبل أن تسدل بعد ثماني دقائق من ذلك الستار على أكثر الحروب الأميركية إثارة للجدل منذ حرب فيتنام قبل نحو نصف قرن.
وقال الجندي مارتن لمب لدى وصوله إلى المعبر الحدودي «إنها لحظة تاريخية»، فيما رأى زميله جوزف، الذي فضّل عدم الكشف عن اسم عائلته، أن «العراقيين سيستفيقون اليوم ولن نكون نحن هناك». من جهته، عبّر الرقيب دواين أوستن عن فرحته بالقول «كان عاماً طويلاً، وقد حان وقت العودة إلى الوطن».
بدوره، عبّر العراقيون عن فرحتهم بانسحاب آخر الجنود الأميركيين، إلا أنهم يشكّكون في قدرة السياسيين على تجاوز انقساماتهم ويدعونهم إلى تبنّي عقلية تليق بتحدّي إعادة بناء وطن تلوح أمامه تحديات جمّة. وفي مخبز قديم يقع عند طرف ساحة في الكرادة وسط بغداد، يأخذ صفا (26 عاماً) نفساً عميقاً قبل أن ينهض عن أرض يفترشها الطحين ليقول «الأميركيون أسقطوا صدام (حسين)، لكنهم أعادوا عقارب حياتنا إلى الوراء». ويضيف «نؤمن بأن الوضع سيكون أفضل من السابق، فقط إذا عمل السياسيون على محاربة الفساد وتوجّهوا نحو الإصلاح».
وتقول ربة المنزل أم محمد (50 عاماً) إن العراقيين «يشعرون بالفرح اليوم، وبأنهم قادرون على حماية وطنهم وحدهم من دون مساعدة الغرباء». وتتابع فيما تستبدل الابتسامة على وجهها بنظرة غضب «لن نسامح الأميركيين أبداً على ما سبّبوه لهذا البلد من إرهاب وقتل وتدمير».
وقال محمد عبد الأمير (60 عاماً) العاطل من العمل والأب لخمسة أطفال والمنحدر من منطقة الأعظمية ذات الأغلبية السنيّة في شمال العاصمة «تحرّرنا اليوم من الاحتلال واستعدنا السيادة الكاملة. نشعر بأننا ننتمي إلى هذا الوطن من جديد». ورأى أن «علينا أن نتعاون وأن ننهض بالبلد عمراناً واقتصاداً وتطوراً اجتماعياً، لا أن نتشاحن، حيث نرى أن بعض السياسيين بدأوا يضعون العصي في الدواليب».
ويقول الموظف الحكومي عبد الحسين حوش (59 عاماً) المقيم في مدينة الصدر التي تسكنها غالبية شيعية في شمال بغداد «إنه يوم تاريخي، لكن ما يحزننا أن هذه المناسبة جاءت في وقت انسحبت فيه القائمة العراقية من العملية السياسية». ويوضح، متحدثاً بالقرب من صورة عملاقة لزعيم التيار الصدري الشيعي مقتدى الصدر، «أنه أمر لم يكن من المفترض أن يجري بالتزامن مع خروج المحتل».
(أ ف ب)